فيثبُت أولًا التعارض ثم بعد ذلك يأتي الترجيح، نحن لا نجوِّز أن يتعادل قطعيان؛ لأن كلًا منهما محال يكون، وإذا كان كذلك فحينئذٍ لا ترجيح بينهما، ولذلك قال: (وَلَكِنْ تَعَادُلُ قَطْعِيَّيْنِ مُحَالٌ) {اتِّفَاقًا} فلا ترجيح؛ لأنه محال، هذا لا يتصور في الذهن أن يتعارض عقليان قطعيان، أو نقليان قطعيان ثُم يُرجَّح بينهما، هذا لا وجود له.
قال: (وَالْمُتَأَخِّرُ نَاسِخٌ وَلَوْ آحَادًا وَمِثْلُهُ قَطْعِيٌّ، وَظَنِّيٌّ) .
(وَالْمُتَأَخِّرُ) {مِنْهُمَا} ظاهرُ صنيعه والله أعلم أنه يعود إلى القطعيين إذا نُقِل ذلك ووُجد. حينئذٍ المتأخر ناسخ، وإذا كان ناسخًا لا إشكال فيه.
قد يأتي آية قطعية الثبوت قطعية الدلالة، وتأتي آية أخرى قطعية الثبوت قطيعة الدلالة ولكن الثانية ناسخة للأولى، بينهما تنافٍ؟ الجواب: لا. ليس بينهما تنافٍ.
(وَالْمُتَأَخِّرُ) {مِنْهُمَا} (نَاسِخٌ) {لِلْمُتَقَدِّمِ} .
لكن بشرط: {إنْ عُلِمَ التَّارِيخُ بِالْقَطْعِ وَلَوْ كَانَ الدَّلِيلانِ آحَادًا عَلَى الأَصَحِّ} .
هنا لعلَّ فيه خلطٌ عند المصنف في الاختصار.
قال: {إِنْ عُلِمَ التَّارِيخُ بِالْقَطْعِ} فإن كان منقولًا بالآحاد عُمِل به أيضًا على الأصح.
يعني: إن عُلِم التاريخ .. كيفيةُ نقلِ التاريخ إما أن يكون بالقطع يعني: التواتر، وإما بالآحاد.
إن كان بالتواتر قال: لا شك أن الثاني ناسخٌ للأول، وأما إن كان النقل بالآحاد هذا بعضهم توقف فيه، قال: لا .. لا يُرجَّح الثاني بأن يكون ناسخًا للأول إن عُلم التاريخ بالآحاد، يُشترط فيه القطع.
ولذلك قال صاحب الأصل -التحرير-: (وَالْمُتَأَخِّرُ نَاسِخٌ بالقطع وَلَوْ آحَادًا) يعني: ولو كان النقل -نقل التاريخ- بالآحاد، لكن المصنف هنا في شرحه خالَف.
قال في التحبير: والمتأخر ناسخٌ للمتقدم إن عُلِم التاريخ بالقطع، فإن كان منقولًا بالآحاد. انظر الكلام في نقل التاريخ.
فإن كان منقولًا بالآحاد عُمل به أيضًا على الأصح؛ لأنه انضم إلى ذلك أن الأصل فيه الدوام والاستمرار. وهذه عبارة المصنف أوردها ولعله حصل خلطٌ عنده.
وذكر الأبياري: احتمالًا بالمنع؛ لأنه يؤدي إلى إسقاط المتواتر بالآحاد.
إذًا: (وَلَوْ آحَادًا) الظاهر والله أعلم أنها ترجع إلى نقل التاريخ وليس النظر في الدليلين، وإنما إلى نقل التاريخ، وهذا ظاهر صنيع التحرير وشرحِه.
(وَالْمُتَأَخِّرُ نَاسِخٌ) {لِلْمُتَقَدِّمِ إِنْ عُلِمَ التَّارِيخُ بِالْقَطْعِ} .
فإن كان آحادًا على الأصح.
ولذلك قال: (وَلَوْ آحَادًا) {عَلَى الأَصَحِّ؛ لأَنَّهُ انْضَمَّ إلَى ذَلِكَ: أَنَّ الأَصْلَ فِيهِ الدَّوَامُ وَالاسْتِمْرَارُ} هذا في القطعيين.
قال: (وَمِثْلُهُ) {أَيْ وَمِثْلُ الْقَطْعِيَّيْنِ فِي عَدَمِ التَّعَارُضِ} .
(قَطْعِيٌّ، وَظَنِّيٌّ) لا تعارُض، لماذا؟ لأنه يقدَّم القطعي لا إشكال فيه.