{لأَنَّهُ لا تَعَادُلَ بَيْنَهُمَا} لا تساوي {وَلا تَعَارُضَ، لانْتِفَاءِ الظَّنِّ؛ لأَنَّهُ يَسْتَحِيلُ وُجُودُ ظَنٍّ فِي مُقَابَلَةِ يَقِينٍ، فَالْقَطْعِيُّ هُوَ الْمَعْمُولُ بِهِ، وَالظَّنُّ لَغْوٌ} باطل {وَلِذَلِكَ لا يَتَعَارَضُ حُكْمٌ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ مَعَ حُكْمٍ آخَرَ لَيْسَ مُجْمَعًا عَلَيْهِ} هذا فيه شيءٌ من التعارض.
على كلٍ: لو وُجد خلافٌ لمجمعٍ ووُجد قولٌ آخر خالف الإجماع، لا شك أن الإجماع مقدمٌ على الخلاف.
لكن أنت سوَّغت فيما مضى أن يُجمع العصر الثاني مع إجماع العصر الأول، فكيف يتأتى هذا؟ فيه شيءٌ من التعارض. على كلٍ: إن تُصوِّرَ عقلًا.
قال: (وَيُعْمَلُ بِالْقَطْعِيِّ) يعني: {دُونَ الظَّنِّيِّ} .
قال: (وَكَذَا ظَنِّيَّانِ) .
{وَكَذَا دَلِيلانِ ظَنِّيَّانِ فِي عَدَمِ التَّعَارُضِ} وأنه محالٌ.
يعني: اتفق العلماء على وقوع التعارض بين الدليلين الظنيين في ذهن المجتهد .. في ظن المجتهد وفي ذهنه وفي تصوره يقع التعارض بين الدليلين، وكلٌ منهما ظني، أما في نفس الأمر -في حقيقة الأمر- فهو محال لا يكون كذلك، وهذا الذي عناه المصنف هنا.
{وَكَذَا دَلِيلانِ ظَنِّيَّانِ فِي عَدَمِ التَّعَارُضِ} وأنه مُحال يعني: في نفس الأمر، أما في نفس المجتهد فهو يقع.
{عِنْدَ الإِمَامِ أَحْمَدَ وَأَصْحَابِهِ وَأَكْثَرِ الشَّافِعِيَّةِ وَالْكَرْخِيِّ وَالسَّرْخَسِيِّ وَحَكَاهُ الإسْفَرايِينِيّ عَنْ أَصْحَابِهِ، وَحَكَاهُ ابْنُ عَقِيلٍ عَنْ الْفُقَهَاءِ} .
(فَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا) .
يعني: فعلى هذا القول -أنه لا تعارض- حينئذٍ يُجمع بينهما.
{إنْ أَمْكَنَ} الجمْع {بِأَنْ عُلِمَ التَّارِيخُ، وَكَانَ أَحَدُهُمَا عَامًّا وَالآخَرُ خَاصًّا. أَوْ أَحَدُهُمَا مُطْلَقًا وَالآخَرُ مُقَيَّدًا، وَنَحْوُ ذَلِكَ} إن عُلم التاريخ فالثاني ناسخ، إن كان أحدهما عامًا والآخر خاصًا خُصَّ العام بخصوص الخاص، إن كان أحدهما مطلقًا والآخر مقيَّد، قُيِّد المطلق بالمقيد .. وهكذا .. ونحو ذلك عُمل به كما تقدم.
{حَتَّى لَوْ كَانَ أَحَدُ الدَّلِيلَيْنِ مِنْ السُّنَّةِ وَالآخَرُ مِنْ الْكِتَابِ عَلَى أَصَحِّ الأَقْوَالِ} .
ولا يُقدَّم هنا أحدهما على الآخر .. لا نقول الكتاب مقدم على السنة وإنما نقول: نقيد الكتاب بما دلَّت عليه السنة، والعكس كذلك صحيح.
{وَقِيلَ: يُقَدَّمُ الْكِتَابُ عَلَى السُّنَّةِ؛ لِحَدِيثِ مُعَاذٍ الْمُشْتَمِلِ عَلَى أَنَّهُ يَقْضِي بِكِتَابِ اللَّهِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَبِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَرَضِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ وَأَقَرَّهُ عَلَيْهِ} .
إذًا: جاء في حديث معاذ ما يدل على أنه يقدَّم الكتاب مطلقًا، ثم السنة.
إذًا: على هذا الترتيب، إذا جاء العام في الكتاب وجاء الخاص في السنة، لا نلتفت إلى الخاص، بل نقدِّم العام، وإذا جاء الخاص في الكتاب وجاء العام في السنة نقدِّم الكتاب الخاص ونُلغي العام.