{وَكُلُّ مَنْ ظَهَرَ لَهُ رُجْحَانُ مَذْهَبٍ وَجَبَ عَلَيْهِ الدُّخُولُ فِيهِ. كَمَا يَجِبُ عَلَى الْمُجْتَهِدِ الأَخْذُ بِأَرْجَحِ الدَّلِيلَيْنِ} .
لأنه إذا قيل: التزم مذهب الشافعي، ثم رُجِّحَ له أن مذهب أبي حنيفة أرجح وجب عليه أن يتبع الأرجح، كما هو الشأن في المجتهد أنه يتبع الأرجح.
{الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْمَذَاهِبِ لَيْسَ مُتَمَحِّضًا فِي الْخَطَأِ وَلا فِي الصَّوَابِ} يعني: مذهب أبي حنيفة كله خطأ؟ لا، كله صواب؟ لا. إذًا فيه وفيه. وكل المذاهب على ذلك، وهذا متفقٌ عليه.
ولذلك قال: {لَيْسَ مُتَمَحِّضًا فِي الْخَطَأِ وَلا فِي الصَّوَابِ، بَلْ هُوَ مُصِيبٌ فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ، مُخْطِئٌ فِي بَعْضِهَا، وَعَلَى هَذَا: فَالْمَذْهَبَانِ لا يَقْبَلانِ التَّرْجِيحَ؛ لإِفْضَاءِ ذَلِكَ إلَى التَّرْجِيحِ بَيْنَ الْخَطَأِ وَالصَّوَابِ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ} .
لأنك إذا رجحت مذهب الشافعي ومنه ما هو خطأ في بعض المسائل، ويكون الصواب عند أبي حنيفة فقد رجَّحتَ الخطأ على الصواب. هكذا قالوا.
{لإِفْضَاءِ ذَلِكَ إلَى التَّرْجِيحِ بَيْنَ الْخَطَأِ وَالصَّوَابِ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ أَوْ بَيْنَ خَطَأَيْنِ} كل منهما خطأ، ويكون الصواب عند أحمد.
أَوْ صَوَابَيْنِ، وَالْخَطَأُ لا مَدْخَلَ لِلتَّرْجِيحِ فِيهِ اتِّفَاقًا.
وَهَذَا الْوَجْهُ يُشِيرُ قَائِلُهُ فِيهِ إلَى أَنَّ النِّزَاعَ لَفْظِيٌّ يعني: بين من منعَ وبين من سوَّغ.
وَهُوَ أَنَّ مَنْ نَفَى التَّرْجِيحَ فَإِنَّمَا أَرَادَ: لا يَصِحُّ تَرْجِيحُ مَجْمُوعِ مَذْهَبٍ عَلَى مَجْمُوعِ مَذْهَبٍ آخَرَ. لِمَا ذُكِرَ.
وَمَنْ أَثْبَتَ التَّرْجِيحَ بَيْنَهُمَا: أَثْبَتَهُ بِاعْتِبَارِ مَسَائِلِهِمَا الْجُزْئِيَّةِ، وَهُوَ صَحِيحٌ يعني: تقول: مسألة كذا عند الشافعي مرجحة على مسألة أبي حنيفة، لكن ليس هذا المراد، المراد .. المسألة المفروضة في ترجيح مذهب كامل على مذهب كامل، والقول هذا الصواب أنه لا يَجمع، ولا يجعل الخلاف لفظي؛ لأن هذا متفقٌ عليه.
هل يختلف أحد بأن مسألةً ما في مذهب أحمد أنها أرجح من مسألة ما عند أبي حنيفة؟ هذا لا خلاف فيه، وكتب الفقه المقارن قائمة على هذا، انظر المغني، وانظر المجموع والتمهيد والاستذكار وغيرها من الكتب، وكلام شيخ الإسلام ابن تيمية. تجد أنه يرجِّح المسألة وهي عند الشافعي ويضعِّف القول عند أبي حنيفة. هذا ترجيح وهو متفقٌ عليه.
وإنما مسألة النزاع في ترجيح مذهب كامل، فيقال: مذهب أبي حنيفة أولى من الشافعي. فقولُه هنا فيه نظر.
قال: {وَهُوَ صَحِيحٌ؛ إذْ يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: مَذْهَبُ مَالِكٍ فِي أَنَّ الْمَاءَ الْمُسْتَعْمَلَ فِي رَفْعِ الْحَدَثِ طَهُورٌ أَرْجَحُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ فِي أَنَّهُ غَيْرُ طَهُورٍ، وَكَذَا فِي غَيْرِهَا مِنْ الْمَسَائِلِ} .
والصواب أن هذا ليس بجامعٍ. يعني: هذا لا يرفع الخلاف، وليس الخلاف في المسائل الجزئية، وإنما الخلاف في المذهب الكلي على المذهب الكلي.