فهرس الكتاب

الصفحة 1847 من 1890

{وَأَصْلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: أَنَّ الْقَاضِيَ عَبْدَ الْجَبَّارِ قَالَ: إنَّ التَّرْجِيحَ لَهُ مَدْخَلٌ فِي الْمَذَاهِبِ} يعني: بين المذاهب.

{بِحَيْثُ يُقَالُ مَثَلًا: مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَرْجَحُ مِنْ مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ} يعني: الكل بالكل، ليس في مسائل جزئية، لو قال: مذهب الشافعي في الماء أنه ثلاثة أرجح من مذهب أبي حنيفة سُلِّم له، لكن كونه يقول: مذهب الشافعي مطلقًا أرجح من مذهب أبي حنيفة! المصنف يرى المنع.

وَقَدْ خَالَفَ عَبْدُ الْجَبَّارِ غَيْرَهُ.

وَحُجَّةُ عَبْدِ الْجَبَّارِ: أَنَّ الْمَذَاهِبَ آرَاءٌ، وَاعْتِقَادَاتٌ مُسْتَنِدَةٌ إلَى الأَدِلَّةِ، وَهِيَ تَتَفَاوَتُ فِي الْقُوَّةِ وَالضَّعْفِ، فَجَازَ دُخُولُ التَّرْجِيحِ فِيهَا كَالأَدِلَّةِ.

بمعنى أنها اعتقادٌ والاعتقاد ليس على مرتبة واحدة: منه القوي ومنه الضعيف، حينئذٍ جاز أن يُرجّح بعضها على بعض.

وأكثر أهل العلم على المنع، وإن كان الصواب أنه يجوز كما سيأتي.

وَاحْتَجَّ الْمَانِعُونَ لِمَا قَالَهُ بِوُجُوهٍ:

أَحَدُهَا: أَنَّ الْمَذَاهِبَ لِتَوَفُّرِ انْهِرَاعِ النَّاسِ إلَيْهَا، وَتَعْوِيلِهِمْ عَلَيْهَا. صَارَتْ كَالشَّرَائِعِ وَالْمِلَلِ الْمُخْتَلِفَةِ، وَلا تَرْجِيحَ فِي الشَّرَائِعِ وهذا باطل، هذا نخشى على قائله.

كون المذاهب صارت كالشرائع كأنها نزلت من السماء؟ هذه تسوية بين رأيٍ بشري وبين الوحي، وهذا باطل.

{أَنَّ الْمَذَاهِبَ لِتَوَفُّرِ انْهِرَاعِ النَّاسِ إلَيْهَا، وَتَعْوِيلِهِمْ عَلَيْهَا} هذا يُسلَّم.

{صَارَتْ كَالشَّرَائِعِ وَالْمِلَلِ الْمُخْتَلِفَةِ، وَلا تَرْجِيحَ فِي الشَّرَائِعِ} وهذا الوجه ضعيف.

{وَقَدْ ضُعِّفَ هَذَا الْوَجْهُ بِأَنَّ انْهِرَاعَ النَّاسِ إلَيْهَا لا يُخْرِجُهَا عَنْ كَوْنِهَا ظَنِّيَّةً تَقْبَلُ التَّرْجِيحَ، وَلا نُسَلِّمُ أَنَّهَا تُشْبِهُ الشَّرَائِعَ، وَإِنْ سَلَّمْنَا، فَلا نُسَلِّمُ أَنَّ الشَّرَائِعَ لا تَقْبَلُ التَّرْجِيحَ، بِاعْتِبَارِ مَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنْ الْمَصَالِحِ وَالْمَحَاسِنِ، وَإِنْ كَانَ طَرِيقُ جَمِيعِهَا قَاطِعًا} .

ولذلك نقول: ملةُ نبينا محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مرجَّحة على غيره. ولا شك في ذلك.

{الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ كَانَ لِلتَّرْجِيحِ مَدْخَلٌ فِي الْمَذَاهِبِ لاضْطَرَبَ النَّاسُ} إذا قيل: كلما رجَّح شخصٌ مذهب أبي حنيفة على الشافعي أو العكس، الناس أين يذهبون؟ يتبعون من؟ وخاصة إذا ألزمنا العامة باتباع مذهبٍ معين، وإذا جوَّزنا وسوغنا الترجيح كلما وُجد شخصٌ حينئذٍ رجَّح فاضطرب الناس، تارة مع الشافعي وتارة مع أبي حنيفة.

لَوْ كَانَ لِلتَّرْجِيحِ مَدْخَلٌ فِي الْمَذَاهِبِ لاضْطَرَبَ النَّاسُ، وَلَمْ يَسْتَقِرَّ أَحَدٌ عَلَى مَذْهَبٍ. فَلِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِلتَّرْجِيحِ فِيهِ مَدْخَلٌ كَالْبَيِّنَاتِ.

وَهَذَا الْوَجْهُ أَيْضًا ضَعِيفٌ، وَاللاَّزِمُ مِنْهُ مُلْتزَمٌ يعني: أنه يضطرب الناس إذا رجَّحناه. هذا لازم وهو ملتزَم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت