وَعِنْدَ أَحْمَدَ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ: أَوْ أَكْثَرَ أَدِلَّةً، فَإِنَّ كَثْرَةَ الأَدِلَّةِ تُفِيدُ تَقْوِيَةِ الظَّنِّ؛ لأَنَّ الظَّنَّيْنِ أَقْوَى مِنْ الظَّنِّ الْوَاحِدِ، لِكَوْنِ الأَكْثَرِ أَدِلَّةً أَقْرَبَ إلَى الْقَطْعِ، فَيُرَجَّحُ بِذَلِكَ، خِلافًا لِلْحَنَفِيَّةِ.
وهذا ليس على إطلاقه كذلك.
القواعد هذه وما سيأتي كله ليست مطلقة، ليس عندنا قاعدة مُحْكَمة بأنها لا تتخلف مطلقًا، وإنما هذه اجتهادات يعني: تختلف فيها الأفهام وتختلف فيها المذاهب، فيُنظر إليه.
إذًا: (أَوْ أَكْثَرَ أَدِلَّةً) {فَإِنَّ كَثْرَةَ الأَدِلَّةِ تُفِيدُ تَقْوِيَةِ الظَّنِّ} فيرجَّح بذلك.
قال هنا: يقول القرافي: الترجيح بكثرة الأدلة كالترجيح بالعدالة لا كالترجيح بالعدد.
{وَالثَّانِي مِنْ الْمُرَجِّحَاتِ: أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الرَّاوِيَيْنِ رَاجِحًا عَلَى الآخَرِ فِي وَصْفٍ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ صِدْقُهُ فَيُرَجَّحُ} وهذه سبعة صفات.
قال: (بِالْأَزْيَدِ ثِقَةً، وَبِفَطِنَةٍ، وَوَرَعٍ، وَعِلْمٍ، وَضَبْطٍ، وَلُغَةٍ، وَنَحْوٍ) .
{فَكُلُّ وَصْفٍ مِنْ هَذِهِ الأَوْصَافِ يُرَجَّحُ بِهِ عَلَى مَنْ لَمْ يَبْلُغْهُ} .
هذه نجعلها في القيد السابق -الكثرة-، أنه قد يوجد في الأقل ما قد تجتمع فيه هذه الصفات كلها، حينئذٍ هل يقدم الكثرة عليه؟ نقول: لا. لا يقدم على الكثرة، هذا استدراكٌ على المصنف.
قال: {وَيُرَجَّحُ أَيْضًا} (بِالْأَشْهَرِ بِأَحَدِ السَّبْعَةِ) .
أي: {بِأَحَدِ الأَوْصَافِ السَّبْعَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ رُجْحَانُهُ فِيهَا} يعني: كأنه جعلها كطريقين الآن، أولًا قال: العلم بالثقة .. أن تعلم أنه أوثق، وأن تعلم فطنته.
الثاني: لا تعلم لكنه اشتهر بالاستفاضة.
ولا شك أن الثاني ليس كالأول، كونه يشتهر أن فلان أوثق دون أن تقف بنفسك بعلمك، هذا ليس كالسابق.
ولذلك قال: يرجح (بِالْأَشْهَرِ) إذا اشتهر عنه (بِأَحَدِ السَّبْعَةِ) المذكورة.
{وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ رُجْحَانُهُ فِيهَا} الصفة السابقة: العلم بكونه ترجَّح في هذه الصفة.
الثانية: بأنه اشتهر ولم يُعلم ذلك.
{فَإِنَّ كَوْنَهُ أَشْهَرَ إنَّمَا يَكُونُ فِي الْغَالِبِ لِرُجْحَانِهِ} .
وهذا كذلك ليس على إطلاقه، قد يشتهر بأنه من أهل الحفظ وليس بشيء.
وكما الآن يقال: فلان يحفظ البخاري وهو لا يحفظ عشرة أسانيد من البخاري.
(وَبِالْأَحْسَنِ سِيَاقًا) .
يعني: {يَكُونُ التَّرْجِيحُ أَيْضًا بِالأَحْسَنِ سِيَاقًا لأَنَّ حُسْنَ السِّيَاقِ دَلِيلٌ عَلَى رُجْحَانِهِ} .
سياق الكلام اللفظ يعني .. الدليل، وهذا كذلك ليس على إطلاقه.
(وَبِاعْتِمَادِ) {بِاعْتِمَادِ الرَّاوِي} (عَلَى حِفْظِهِ أَوْ ذِكْرِهِ) .
يعني: {يَكُونُ التَّرْجِيحُ أَيْضًا بِاعْتِمَادِ الرَّاوِي عَلَى حِفْظِهِ لِلْحَدِيثِ أَوْ ذِكْرِهِ لَهُ؛ لأَنَّ الْحِفْظَ، وَالذِّكْرَ لا يَحْتَمِلُ الاشْتِبَاهَ. بِخِلافِ اعْتِمَادِهِ عَلَى الْخَطِّ وَالنُّسْخَةِ، فَإِنَّهُمَا يَحْتَمِلانِ الاشْتِبَاهَ} .