{وَإِنَّ عَلَمَ الْجِنْسَ الَّذِي هُوَ أُسَامَةُ مَوْضُوعٌ لِلْحَقِيقَةِ الْمُتَّحِدَةِ فِي الذِّهْنِ} لا بالنظر إلى شخص، بل على معنى الأسدية المعقولة التي لا يمكن أن توجد خارج الذهن، هذا الفرق هو الذي ذكره الشيخ الأمين رحمه الله تعالى. وهل ينبني على هذا شيء؟ نقول: نعم، ينبني عليه من حيث المعنى، إذا جاء علم الجنس قد ينظر فيه من جهة كونه معينًا، فيختص الحكم به، أم أنه نكرة وحينئذٍ يعُم، وكذلك إذا دخل على النكرة (أل) التي تفيد الجنس حينئذٍ ما يتبعها هل يكون له حكم اسم الجنس أو لا؟ مسائل مبحوثة في البيان وغيره.
ثم قال رحمه الله تعالى: (فَصْلٌ: الْحَقِيقَةُ) أراد أن يبين النوع الثاني من الدلالة، قلنا: الدلالة نوعان: دلالة اللفظ ودلالة باللفظ. دلالة اللفظ يعني: اللفظ ومدلوله .. ما دل عليه، الدلالة باللفظ هذا يتعلق بالاستعمال، الأول من صفات المخاطب .. السامع، والثاني من صفات المتكلم، يعني: استعمال اللفظ في مدلوله أو لا.
قال: (فَصْلٌ: الْحَقِيقَةُ) {فَعِيلَةٌ مِنْ الْحَقِّ} ثم فعلية هذه أتي بمعنى فاعل، ويأتي بمعنى مفعول، إن كان بمعنى الثابت يعني: الكلمة الثابتة فهي اسم فاعل من حقَّ الشيء يحِقُّ بالكسر والضم، يحِق ويحُق، بمعنى ثبت، والتاء حينئذٍ للتأنيث .. لا إشكال فيه؛ لأن اسم الفاعل ثابت يجوز دخول تاء التأنيث إذا أُريد به المؤنث فيقال: الثابتة، الكلمة الثابتة.
{وَإِنْ كَانَ بِمَعْنَى الْمُثْبَتِ} فعيل بمعنى مفعول، وحينئذٍ صار بمعنى الكلمة المثبتة، {فَهِيَ اسْمُ مَفْعُولٍ} من حققت الشيء أثبته، فهذا وإن كان يستوي فيه المذكر والمؤنث كجريح، حينئذٍ التاء هنا الصحيح أن يقال: إنها لنقل اللفظ من الوصفية إلى الاسمية، لأنه إذا قيل الحقيقة، التاء للتأنيث، فصار بمعنى الكلمة المثبتة، كيف تكون للتأنيث؟ وفعيل إذا كان بمعنى اسم المفعول يستوي فيه المذكر والمؤنث، يعني: لا تدخل عليه التاء، رجل جريح وامرأة جريح، أليس كذلك؟ وحينئذٍ نقول: كيف دخلت التاء؟ نقول: التاء هنا ليست للتأنيث، وإنما هي للنقل .. تاء النقل، نقل ماذا؟ النقل من الوصفية إلى الاسمية بأن يستعمل بدون موصوفه، كقوله تعالى: (( وَالنَّطِيحَةُ ) ) [المائدة:3] أي: والبهيمة النطيحة.
ولولا إخراجها للاسمية لقيل: البهيمة النطيح، على أصله منطوحة، بلا تاء.
قال: (الْحَقِيقَةُ) {أَقْسَامٌ} .
(لُغَوِيَّةٌ وَهِيَ) وعرَّفها. الحقيقة على أنواع: منها اللغوية، ومنها غيرها كما سيأتي. واللغوية هذه منسوبة إلى اللغة، وعرفها المصنف من حيث نسبتها إلى اللغة بقوله: (قَوْلٌ مُسْتَعْمَلٌ فِي وَضْعٍ أَوَّلٍ) .
قوله: (قَوْلٌ) هنا لم يأتِ بلفظ، يعني: لم يقل لفظ، هذا بناءً على ما شاع عند كثير من المتأخرين: ابن هشام وغيره، وهو أن القول جنس قريب، لأنه يختص بالمستعمل، واللفظ جنس بعيد؛ لأنه يدخل فيه المهمل، وحينئذٍ استعمال الأجناس القريبة أولى عند أرباب النظر، يعني: لا يؤتى بالجنس البعيد مع إمكان الإتيان بالجنس القريب، وحينئذٍ إذا قيل في مثل هذا الكلام: الحقيقة هي اللفظ، نحتاج ماذا؟ نحتاج إلى قيد يخرج المهمل، فابتداءً واختصارًا نقول: الحقيقة هي: قول.