إذًا: قول المصنف جرى فيه على الجادة، وهو وصف القول بالمستعمل، ولم يجعل
الاستعمال هو الحقيقة.
قال: (فِي وَضْعٍ أَوَّلٍ) هذا متعلق بقوله: (مُسْتَعْمَلٌ) .
(فِي وَضْعٍ أَوَّلٍ) هذا أخرج المجاز، لأن المجاز قول مستعمل في وضع ثان، لذلك قلنا: (قَوْلٌ) هذا جنس شمل الحقيقة والمجاز.
(مُسْتَعْمَلٌ) هذا أخرج ما قبل الاستعمال، بقي ماذا؟ بقي المجاز؛ لأن المجاز قول مستعمل، والحقيقة قول مستعمل، لم يخرج بهذا القيد، فنحتاج إلى قيد لإخراج المجاز، قال: (فِي وَضْعٍ أَوَّلٍ) خرج به المجاز؛ لأنه قول مستعمل في وضع ثانوي، وليس في وضع أولي.
{لأنَّهُ بِوَضْعِ ثَانٍ} بناءً على أنه موضوع وهو الصحيح.
{وَدَخَلَ فِيهِ أَسْمَاءُ الأَجْنَاسِ} وما وضع لغة أو شرعًا أو عرفًا، والألفاظ الشرعية
والعرفية هي بالوضع الأول في اصطلاح الشرع والعرف، وإن كانت بالوضع الثاني باعتبار الأول، يعني قوله: (فِي وَضْعٍ) أطلق المصنف هنا، وحينئذٍ ليس المراد هنا بالوضع الوضع الأصلي وهو اللغوي، ليس المراد بقوله: (فِي وَضْعٍ أَوَّلٍ) المراد به الوضع اللغوي، مر معنا أن الوضع اللغوي ما هو؟ جعل اللفظ دليلًا على المعنى، هذا وضع لغوي، لكن قد يأتي الشارع فينقل اللفظ اللغوي عن معناه الذي وضع له فيضعه ابتداءً في معنى خاص له، هل هذا وضع؟ نقول: نعم، هذا وضع، لكنه ليس بوضع لغوي, وإنما هو وضع أول باعتبار الشارع، كذلك العرف ينقل اللفظ اللغوي فلا يستعمله فيما وضع له في لسان العرب، وحينئذٍ أخرجه عن المعنى اللغوي، فجعل له معنىً ابتداءً فهو وضع أولي باعتبار العرف، فقوله: (فِي وَضْعٍ) لا يختص الوضع هنا بالوضع اللغوي وإلا لخرجت الحقيقة الشرعية والحقيقة العرفية بنوعيها، وإنما المراد: (فِي وَضْعٍ) يعني: باعتبار الواضع، ثم الواضع يختلف، إن كان أهل اللغة فالوضع لغوي، وإن كان الشارع فالوضع شرعي، وإن كان العرف .. أهل العرف فالوضع عرفي، وحينئذٍ دخلت الحقائق في هذا المعنى.
(فِي وَضْعٍ أَوَّلٍ) ليس المراد بالوضع الوضع الأصلي وهو اللغوي، ولو أراده لاحتاج إلى
الزيادة في اصطلاح التخاطب، كما قال بعضهم: (فِي وَضْعٍ أَوَّلٍ) في اصطلاح التخاطب، لماذا؟ ليعم الأنواع الثلاثة: الحقيقة اللغوية والشرعية والعرفية، بل أراد بالوضع المبتدأ بما يكون أولًا بالنسبة إلى الاصطلاح الذي يقع به التخاطب، لا ما يكون أولًا باختيار اللغة؛ فإن الوضع الأول أعم من الوضع باعتبار اللغة. (فِي وَضْعٍ أَوَّلٍ) أعم من اعتبار الوضع في اللغة، فيدخل فيه الواضع إذا كان الشرع، ويدخل فيه الواضع إذا كان العرف، فلهذا استغنى عن غير التخاطب.
قال رحمه الله تعالى: (وَهِيَ لُغَوِيَّةٌ وَهِيَ الْأَصْلُ كَأَسَدٍ، وَعُرْفِيَّةٌ وَشَرْعِيَّةٌ) يعني قسم اللغة إلى
ثلاثة أنواع.
قال: (وَهِيَ) أقسامٌ، الأول منها لغوية، لماذا انقسمت الحقيقة؟ (وَهِيَ) الضمير هنا يعود