(بِبَعْضِ مُسَمَّيَاتِهِ) خص ببعض مسمياته. (بِبَعْضِ) متعلق بقوله: (خُصَّ) {وَإِنْ كَانَ وَضْعُهَا لِلْجَمِيعِ حَقِيقَةً} يعني: اللفظ في لسان العرب موضوع لمتعدد، فيأتي العرف فينظر لبعض الأفراد فيخص هذا اللفظ ببعض أفراده، وحينئذٍ صار ماذا؟ هل استعمل اللفظ في مدلوله اللغوي الذي وضع له في لسان العرب؟ الجواب: لا، وإنما خص ببعض أفراده، وهذا المعنى هو المعنى الشرعي، لكن اختلف فيه بالنظر إلى الوضع نفسه، فإن كان العرف فهي العرفية، وإلا فالشرع .. فهي شرعية.
قالوا: مثال ذلك: الصوم، وهذا سيأتي، الصوم مثلًا في اللغة: مطلق الإمساك، إمساك عن كذا وكذا .. إلى آخره، لكن في الشرع: هو إمساك مخصوص، ويدل عليه المعنى اللغوي، وحينئذٍ استُعمل لفظ الصوم في بعض أفراده، لكن لكون الذي استَعمل هذا اللفظ في بعض أفراده هو الشرع صار الصيام حقيقة شرعية في ماذا؟ إمساك .. إلى آخره.
قال هنا: (خُصَّ عُرْفًا بِبَعْضِ مُسَمَّيَاتِهِ) {وَإِنْ كَانَ وَضْعُهَا لِلْجَمِيعِ حَقِيقَةً. ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْحَقِيقَةَ الْعُرْفِيَّةَ} نوعان: عرفية عامة وعرفية خاصة، {إِمَّا أَنْ تَكُونَ عَامَّةً, وَهِيَ التي لا يَخْتَصَّ تَخْصِيصُهَا بِطَائِفَةٍ دُونَ أُخْرَى} (كَدَابَّةٍ) يعني: مثل دابة، والكاف تمثيلية، {فَإِنَّ وَضْعَهَا بِأَصْلِ اللُّغَةِ لِكُلِّ مَا يَدِبُّ عَلَى الأَرْضِ مِنْ ذِي حَافِرٍ وَغَيْرِهِ} يعني سواء كانت ذوات الأربع أو غيرها تسمى دابة، فالحية دابة، والحمار دابة، والإنسان دابة، وحينئذٍ خصها العرف بالحمار أو الفرس، يعني بما كان ذا رجلين.
(كَدَابَّةٍ) {فَإِنَّ وَضْعَهَا بِأَصْلِ اللُّغَةِ لِكُلِّ مَا يَدِبُّ عَلَى الأَرْضِ} سواء كان ذا حافر أم لا.
{ثُمَّ هُجِرَ الْوَضْعُ الأَوَّلُ، وَصَارَتْ فِي الْعُرْفِ حَقِيقَةً} (لِلْفَرَسِ) {وَلِكُلِّ ذي حَافِر} ٍ من الخيل والبغال والحمير، هذا يسمى تخصيصًا، لكن التخصيص جاء من جهة العرف، وحينئذٍ نسميه حقيقة عرفية لكنها عامة، بمعنى: أنها لا تختص بطائفة دون أخرى.
(أَوْ خَاصَّةً) وهي ما خصته كل طائفة من الأسماء بشيء من مصطلحاتهم، العرفية الخاصة
هذه متعلقة بأرباب الفنون، مثلًا: العام في اللغة له معنىً، وفي اصطلاح الأصوليين له معنى، هذا يسمى عرفية خاصة؛ لأن اللفظ المستغرق لجميع ما يصلح أو إلى آخره .. نقول: هذا عرف خاص عند الأصوليين، كذلك الفاعل له، معنىً في اللغة وله معنىً في اصطلاح النحاة، كذلك المفعول .. إلى آخره، فكل اصطلاح عند أرباب الفنون فهو عرف خاص بهم.
(أَوْ) تَكُونُ (خَاصَّةً) وَهِيَ مَا خَصَّتْهُ كُلُّ طَائِفَةٍ مِنْ الأَسْمَاءِ بِشَيْءٍ مِنْ مُصْطَلَحَاتِهِمْ,
كَمُبْتَدَإٍ وَخَبَرٍ, وَفَاعِلٍ وَمَفْعُولٍ. وَنَعْتٍ وَتَوْكِيدٍ فِي اصْطِلاَحِ النُّحَاةِ, وَنَقْضٍ وَكَسْرٍ وَقَلْبٍ فِي اصْطِلاَحِ الأُصُولِيِّينَ, وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا اصْطَلَحَ عَلَيْهِ أَرْبَابُ كُلِّ فَنٍّ.
إذًا: العرفية نوعان: وهي عرفية عامة لا تختص بها طائفة دون أخرى.
الثاني: عرفية خاصة وهي تتعلق بطائفة دون أخرى.