إذًا: ما جاز نفيه هو المجاز، والذي أُثبت في اللفظ -ومنه القرآن- هو المعنى المجازي، فإذا قال: الغائط المراد به الخارج، قال: لا، ليس الغائط هو الخارج، نعم أنت نفيت المعنى الحقيقي وأنا أثبتُّ المعنى المجازي، فالذي نُطق به المجازي، فإذا نُفي الحقيقي لا يقال بأنه نُفي القرآن، وهذه رسالة قائمة أقامها الشيخ الأمين رحمه الله تعالى على هذه المسألة في رد المجاز في القرآن بأنه يجوز نفيه، وهذا خطأ والله أعلم.
قال: (بِصِحَّةِ نَفْيِهِ) {كَقَوْلِكَ: الشُّجَاعُ لَيْسَ بِأَسَدٍ, وَالْجَدُّ لَيْسَ بِأَبٍ, وَالْبَلِيدُ لَيْسَ بِحِمَارٍ} نعم صحيح، يجوز نفيه، والمنفي هو المعنى الحقيقي وليس هو المعنى المجازي؛ لأن الحقيقة لا تنفى، فلا يصح أن يقال: إن الحمار ليس بحمار، لا يصح، إذا قال: رأيت أسدًا، لا ليس بأسد، هل المثبت والمنفي هو عينه؟ لا ليس هو، وإنما هو معنىً آخر.
فلا يصح أن يقال: إن الحمار ليس بحمار، وإن الأب ليس بأب، وإن البليد ليس بإنسان.
إذًا: (بِصِحَّةِ نَفْيِهِ) يميز المجاز به عن غيره، فالذي يُنفى المجاز، والذي لا يُنفى الحقيقة.
قال: (وَبِتَبَادُرِ غَيْرِهِ) يعني: يعرف بنوع آخر وهو بتبادر غيره، يعني: إلى الفهم، يعني الذي يتبادر أول ما يتبادر، والذي يتبادر هنا ماذا؟ المعنى الحقيقي، قال: (بِتَبَادُرِ غَيْرِهِ) يعني: غير المجاز، والذي يقابل المجاز هو المعنى الحقيقي، فإذا قال: رأيت أسدًا يتبادر ماذا؟ الحيوان المفترس، لكن إذا قال: يخطب، حينئذٍ علمنا أنه ليس المراد، لكن الذي يتبادر أول ما يرد إلى الذهن من المعاني هو المعنى الحقيقي، والذي لا يتبادر العكس.
قال: (بِتَبَادُرِغَيْرِهِ) {أَيْ: تَبَادُرِ غَيْرِ الْمَجَازِ إِلَى ذِهْنِ السَّامِعِ} هذا قبل القرينة. (لَوْلاَ الْقَرِينَةُ) الْحَاضِرَة بخلاف الحقيقة، فإنها المتبادرة إذا كانت واحدة.
فإن قيل: المجاز الراجح يتبادر أيضًا، كما سيأتي في مسألة الخاص أنه مقدم وأولى من الحقيقة المهجورة.
قيل: إن رجح بقرينة، فالكلام حيث لا قرينة، وهذا يدل على ماذا؟ على أن مسلك الأصوليين لا يشترطون القرينة، وحينئذٍ المجاز الراجح مقدم على الحقيقة، وهو المتبادِر مع وجود القرينة.
قال رحمه الله تعالى: (وَعَدَمِ وُجُوبِ اطِّرَادِهِ) يعني: ويعرف المجاز أيضًا بعدم وجوب اطراده، يعني: لا يجب فيه الاطراد، هكذا عبر في جمع الجوامع: لا يجب فيه الاطراد، فإنه يستعمل لوجود معنىً في محل، ولا يجوز استعماله في محل آخر مع وجود ذلك المعنى فيه، ولذلك: (( وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ ) ) [يوسف:82] أراد به أهل القرية، هل يصح أن تقول: واسأل الأرض يعني أهل الأرض؟ واسأل البساط يعني أهل الأرض؟ لا يصح، ولو وجد المعنى؛ لأنه في هذا المقام لا يطرد وإن كان قد يطرد في مواضع أخرى.
قال: (وَعَدَمِ وُجُوبِ اطِّرَادِهِ) انتبه هنا نفي الوجوب، لكنه قد ماذا؟ قد يطرد، قال: (وَعَدَمِ وُجُوبِ اطِّرَادِهِ) إذًا: من قال بأنه يجب اطراده هنا وقع الإشكال عنده، والنفي هنا إنما هو لعدم الوجوب، إذًا: قد يطرد وليس فيه نفي للاطراد.