فهرس الكتاب

الصفحة 229 من 1890

ثم قال: (وَيَسْتَلْزِمُ الْحَقِيقَةَ وَلاَ تَسْتَلْزِمُهُ) يعني: إذا قيل بأن كلام العرب هذا مجاز هل يلزم أنه استعمل أولًا في الحقيقة أو لا يلزم؟ فيه خلاف، والصحيح أنه يلزم؛ لأن المجاز فرع، ولا فرع إلا بأصل، فإذا قيل هذا استعمل في غير ما وضع له فحينئذٍ لا بد من وضع أول استعمل فيه، فلا بد من ذلك، وبعضهم يرى أنه لا يستلزم ذلك، بمعنى: أنه قد يكون المجاز موجودًا ولا حقيقة له، وأرى أن هذه المسألة بدعية، يعني القول بأن المجاز لا يستلزم الحقيقة، ذكر بعض الأشاعرة من تدقيقاتهم بأن هذه المسألة مبناها على مسألة الرحمن، قيل: أسماء الله تعالى مجاز، وحينئذٍ إذا قيل مجاز يستلزم ماذا؟ الحقيقة، إذًا: استُعمل أولًا في غير علم على الباري ثم استعمل على الباري، إذا قيل بذلك. قالوا: إذًا: لا يستلزم المجاز الحقيقة، فأعلام الباري جل وعلا كلها مجاز ولا تستلزم الحقيقة. هذه المسألة جاءت وأُحدثت ردًا على من قال بأن أسماء الباري جل وعلا مجاز وحينئذٍ كل مجاز وهو فرع فيستلزم الأصل، فردوه بأنه لا يستلزم الحقيقة، والصواب أنه يستلزمه، فكل مجاز له حقيقة وإلا فلا مجاز، ولذلك قال: (وَيَسْتَلْزِمُ الْحَقِيقَةَ) يعني: يستلزم المجاز الحقيقة في قول أكثر العلماء، هي مسألة خلافية عند المتأخرين: هل المجاز يستلزم الحقيقة؟ بمعنى: أن استعمال اللفظ في غير وضع أول هل يكون مشروطًا باستعماله في وضع أول؟ قيل: هذا الاستعمال قبل هذا الاستعمال أم لا، بل يجوز أن يستعمل في الوضع الثاني ولا يستعمل فيما وضع له أصلًا، هذه صورة المسألة، والصواب: أنه لا بد أن يستعمل في وضعه الأولي، ثم بعد ذلك ينقل عن الحقيقة ويستعمل مجازًا، وأما مجاز ولم يُستعمل في الحقيقة فهذا لا وجود له، وخاصة إذا عُلم أن أصل هذه المسألة أنها مبنية على بدعة.

(وَيَسْتَلْزِمُ الْحَقِيقَةَ) وأنه متى وجد المجاز وجدت الحقيقة، واحتجوا بأن المجاز فرع والحقيقة أصل، {وَمَتَى وُجِدَ الْفَرْعُ وُجِدَ الأَصْلُ} وهذا هو الصحيح والحق.

قال: (وَلاَ تَسْتَلْزِمُهُ) يعني: قد يكون اللفظ مستعملًا في حقيقته ولا يستعمل في المجاز، وهذا كثير، لذلك قال: (وَلاَ تَسْتَلْزِمُهُ) يعني: لا تستلزم الحقيقة المجاز، فتوجد الحقيقة ولا يوجد لها مجاز؛ {لأنَّ اللُّغَةَ طَافِحَةٌ بِحَقَائِقَ لاَ مَجَازَاتٍ لَهَا} وحكي إجماعًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت