الأول: أن يكون المجاز مرجوحًا لا يُفهم إلا بقرينة، مسألة تعارض الحقيقة والمجاز عند إمكان حمل اللفظ عليهما، أما إذا لم يمكن فلا، وحينئذٍ إذا تعارضا أيُّ النوعين نقدم؟ هل نقدم المجاز أو نقدم الحقيقة؟ لكلٍ منهما وصف مرجِّح، فالمثال الذي ذكره في الفصول التي قدمها وهي محل الخلاف: (مَجَازٌ رَاجِحٌ أَوْلَى مِنْ حَقِيقَةٍ مَرْجُوحَةٍ) يعني: مجاز كثر استعماله حتى فاق الحقيقة، وصارت الحقيقة تكاد أن تكون منسية، لا شك أن المجاز هنا راجح ومقدم على الحقيقة، لكن من حيث تصور تعارض الحقيقة والمجاز له أربعة أقسام:
{الأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ الْمَجَازُ مَرْجُوحًا لاَ يُفْهَمُ إلاَ بِقَرِينَةٍ، كَالأَسَدِ لِلشُّجَاعِ} وحينئذٍ لا شك أنه يُقدَّم الحقيقة، إذا كان المجاز مرجوحًا يُقدَّم الحقيقة.
{كَالأَسَدِ لِلشُّجَاعِ، فَيُقَدَّمُ فِي هَذَا الْقِسْمِ الْحَقِيقَةُ لِرُجْحَانِهَا} يعني: قد تكون الحقيقة راجحة والمجاز مرجوح، وحينئذٍ تُقدَّم الحقيقة؛ لأنها الأصل، وهو القاعدة السابقة: أننا ننظر متى ما أمكن حمل اللفظ على حقيقته فهو المقدَّم، فإن لم يمكن حينئذٍ ننظر إلى العدول إلى المجاز، وهنا إذا استعمل الأسد في الشجاع، فإن دلت قرينة على أن المراد به الشجاع حُمِل عليه، وإلا رجعنا إلى الأصل بناءً على أن القرينة لا بد منها ومشترطة في المجاز. هذا القسم الأول: أن يكون المجاز مرجوحًا.
{الْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَغْلِبَ اسْتِعْمَالُهُ حَتَّى يُسَاوِيَ الْحَقِيقَةَ} يعني: يتساويان، وحينئذٍ تُقدَّم الحقيقة لماذا؟ لأنها الأصل، ولا يعدل عنها.
{الْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ الْمَجَازُ رَاجِحًا , وَالْحَقِيقَةُ مُمَاتَةً, لاَ تُرَادُ فِي الْعُرْفِ فَيُقَدَّمُ الْمَجَازُ} لماذا؟ لأنه غير الحقيقة.
{لأنَّهُ إِمَّا حَقِيقَةٌ شَرْعِيَّةٌ أَوْ عُرْفِيَّةٌ} قال: {أَنْ يَكُونَ الْمَجَازُ رَاجِحًا , وَالْحَقِيقَةُ مُمَاتَةً} يعني: صارت نسيًا منسيًا، فحينئذٍ المجاز إما حقيقة شرعية أو عرفية، فلا شك أنه مقدَّم على الحقيقة.
قال: {فَلاَ خِلاَفَ فِي تَقْدِيمِهِ عَلَى الْحَقِيقَةِ اللُّغَوِيَّةِ. مِثَالُهُ: لَوْ حَلَفَ لاَ يَأْكُلُ مِنْ هَذِهِ النَّخْلَةِ، فَأَكَلَ مِنْ ثَمَرِهَا حَنِثَ} قال: والله لا آكل من هذه النخلة، حينئذٍ الأصل في النخلة ما هي؟ الجذع نفسه، الثمرة لا تدخل، هذا الأصل فيه، لكن العرف هنا أنه إذا أراد أن يقول: لا آكل من هذه النخلة يعني من الثمرة، فحينئذٍ لو أكل من الجذع بنفسه حنث؟ لا، إذا أكل من الثمرة نقول: حنث، فحينئذٍ عندنا حقيقة وهي الجذع نفسه ولكنها مماتة، وعندنا مجاز وحينئذٍ يقدَّم المجاز على الحقيقة، ومنه لو قال: لا أشرب من هذا النهر، وحينئذٍ لو أخذ كأسًا وشرب منه، هو الآن شرب من ماذا؟ من الكأس لا من النهر؛ لأن الأصل في: لا أشرب أن يضع فاه ويكرع، هذا الأصل، لكنه نا شرب .. هذه حقيقة مماتة، وحينئذٍ نقول: كونه يقول: لا أشرب من هذا النهر وشرب بكأس نقول: هنا حُمِل اللفظ على العرف لا على حقيقته.