قال: {لَوْ حَلَفَ لاَ يَأْكُلُ مِنْ هَذِهِ النَّخْلَةِ فَأَكَلَ مِنْ ثَمَرِهَا حَنِثَ، وَإِنْ أَكَلَ مِنْ خَشَبِهَا لَمْ يَحْنَثْ} إذا أكل الخشب لا يحنث، لماذا؟ مع أنه داخل في مسمى النخلة، لكنه ليس مرادًا، ليس مرادًا مع كونه هو الحقيقة.
{وَإِنْ كَانَ الْخَشَبُ هُوَ الْحَقِيقَةُ} لأنها قد أميتت.
{الْقِسْمُ الرَّابِعُ} وهو محل الخلاف هنا، ما يتعلق به المثال السابق في النهر {أَنْ يَكُونَ الْمَجَازُ رَاجِحًا, وَالْحَقِيقَةُ تُتَعَاهَدُ فِي بَعْضِ الأَوْقَاتِ} يعني: لم تُمت، بل هي باقية لكنها في بعض الأوقات دون بعض، وهذه هي مسألتنا التي ذكرها المصنف: (وَمَجَازٌ رَاجِحٌ أَوْلَى مِنْ حَقِيقَةٍ مَرْجُوحَةٍ) ليست مماتة، الحقيقة التي صارت ميتة كالأكل من خشب النخلة، وهنا موجود استعمالها لكن في بعض الأحوال، قالوا: بعض أهل البادية يكرعون من النهر مباشرة، وحينئذٍ لو قال: لا أشرب من هذا النهر؛ الشُّرب منه مباشرة موجود، لكنه قليل الاستعمال، فهو مرجوح، فيأتي الخلاف هنا: أيهما يُقدَّم: المجاز الراجح أو الحقيقة المرجوحة؟ وهذه محل الخلاف عند الأكثر، وهي مذكورة في المتن هنا: {كَمَا لَوْ حَلَفَ لَيَشْرَبَنَّ مِنْ هَذَا النَّهْرِ، فَهُوَ حَقِيقَةٌ فِي الْكَرْعِ مِنْهُ بِفِيهِ} بفمه مباشرة.
{وَلَوْ اغْتَرَفَ بِكُوزٍ وَشَرِبَ فَهُوَ مَجَازٌ; لأنَّهُ شَرِبَ مِنْ الْكُوزِ لاَ مِنْ النَّهْرِ, لَكِنَّهُ مَجَازٌ رَاجِحٌ يَتَبَادَرُ إِلَى الْفَهْمِ، فَيَكُونُ أَوْلَى مِنْ الْحَقِيقَةِ, وَإِنْ كَانَتْ قَدْ تُرَادُ; لأنَّ كَثِيرًا مِنْ الرِّعَاءِ وَغَيْرِهِمْ يَكْرَعُ بِفِيهِ} .
إذًا: قوله: (وَمَجَازٌ رَاجِحٌ أَوْلَى مِنْ حَقِيقَةٍ مَرْجُوحَةٍ) .
(وَمَجَازٌ رَاجِحٌ) مفهومه:
مجاز مرجوح ليس من أولى من حقيقة مرجوحة.
ومجاز مساوٍ للحقيقة ليس بأولى من حقيقة مرجوحة.
ومجاز راجح أولى من حقيقة مرجوحة فهو أولى من حقيقة مماتة.
إذًا: يمكن أخذ الأربعة الأقسام من كلام المصنف، يمكن أو لا؟ هو نص على واحدة، قال: (وَمَجَازٌ رَاجِحٌ أَوْلَى مِنْ حَقِيقَةٍ مَرْجُوحَةٍ) يعني: المجاز الراجح مُقدَّم على الحقيقة المرجوحة، فإذا قُدِّم المجاز الراجح على الحقيقة المرجوحة التي لها استعمال فمن باب أولى أن يُقدَّم على الحقيقة المماتة.
بقي ماذا؟ المجاز المرجوح والمجاز المساوي، التنصيص على كونه راجحًا دل على أن -بالمفهوم- على أن المجاز المرجوح ليس مقدمًا، والمجاز المساوي ليس مقدمًا، وحينئذٍ نص بالمفهوم على ثلاثة، ذكر بالمفهوم ثلاثة أقسام ونص على قسم واحد، هذه الصورة التي ذكرها قال هناك في التشنيف: أن يغلب الاستعمال المجازي على الاستعمال الحقيقي كما في الدابة؛ فإنه في اللغة: اسم لكل ما يدب، ثم نُقِل في العرب إلى الحمار، وكثر حتى صار حقيقة عرفية، وصار الوضع الأول مجازًا بالنسبة إلى العرف لقلة استعماله فيها، ففيها مذاهب، والصحيح ما قدمه المصنف هنا رحمه الله تعالى، فيُقدَّم المجاز لغلبته؛ لأن الظهور هو المُكلَّف به.