{كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ:"لَمْ يَكْذِبْ إبْرَاهِيمُ إِلاَّ ثَلاَثَ كَذَبَاتٍ"الْمُرَادُ: صُورَةُ ذَلِكَ, وَهُوَ فِي نَفْسِهِ حَقٌّ وَصِدْقٌ} هذا ما يتعلق بالكناية والتعريض.
ثم قال رحمه الله تعالى: (فَصْلٌ) {الاِشْتِقَاقُ: رَدُّ لَفْظٍ إلَى آخَرَ} . {الاِشْتِقَاقُ} هذا فن مستقل، وهو مهم .. من أهم علوم اللغة.
قال أئمة هذا الشأن: {الاِشْتِقَاقُ مِنْ أَشْرَفِ عُلُومِ الْعَرَبِيَّةِ وَأَدَقِّهَا وَأَنْفَعِهَا} وأصعبها.
{وَأَكْثَرِهَا رَدًّا إِلَى أَبْوَابِهَا, أَلاَ تَرَى أَنَّ مَدَارَ عِلْمِ التَّصْرِيفِ فِي مَعْرِفَةِ الزَّائِدِ مِنْ الأَصْلِيِّ عَلَيْهِ} يعني: لا تعرف أن هذا الحرف أصلي أو أن هذا الحرف زائد إلا بالاشتقاق، يعني: بتغيير الكلمة .. تصريفها، وهذا هو الذي يُعنى هنا، تغير الكلمة وترد لفظ إلى لفظ آخر ثم تتبدل وتتغير، قد يزيد حرفًا وقد ينقص حرفًا، وحينئذٍ نقول: معرفة الزائد من غيره إنما يعرف بالتصريف، وهو باب من أبواب الاشتقاق.
{حَتَّى قَالَ السَّرَّاج: لَوْ حُذِفَتْ الْمَصَادِرُ وَارْتَفَعَ الاِشْتِقَاقُ مِنْ كُلِّ كَلاَمٍ لَمْ تُوجَدْ صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ, وَلاَ فِعْلٌ لِفَاعِلٍ} لأن الاشتقاق هو أخذ الفعل من المصدر، فلو لم يكن اشتقاق أين الأفعال؟ الأفعال كلها مشتقة في الجملة يعني، وكذلك اسم الفاعل كله مشتق واسم المفعول مشتق، لو رُفِعَ الاشتقاق حينئذٍ كيف يدل الصفة على الموصوف؟
قال: {وَجَمِيعُ النُّحَاةِ إذَا أَرَادُوا أَنْ يَعْلَمُوا الزَّائِدَ مِنْ الأَصْلِيِّ فِي الْكَلاَمِ نَظَرُوا فِي الاِشْتِقَاقِ} .
إذًا: هذا العلم جليل ينبني عليه معرفة الزائد من الأصلي في كلام النحاة، ثم ينبني عليه معرفة الأصول عند الاشتقاق، كيف تأتي اسم الفاعل، وكيف تأتي باسم المفعول، فله علاقة بهذا الفن.
الاشتقاق افتعال {مِنْ قَوْلِك: اشْتَقَقْتُ كَذَا مِنْ كَذَا, أَيْ: اقْتَطَعْتُه مِنْهُ} شق يعني: قطع، والاشتقاق هو القطع، والشق هو القطع.
{وَحُكِيَ فِي الاِشْتِقَاقِ فِي اللُّغَةِ ثَلاَثَةُ أَقْوَالٍ} يعني هل هو موجود أو لا؟ فيه خلاف، ومر معنا شيء منه، قال: ومشتق وغيره، إذًا: فيه النوعان، منه جامد ومنه مشتق.
{الصَّحِيحُ -وعليه الأكثر- أَنَّ اللَّفْظَ يَنْقَسِمُ إلَى مُشْتَقٍّ وَجَامِدٍ} المشتق: ما دل على ذاتٍ وصفة، والجامد: ما دل على معنىً فقط .. على صفة فقط، فيسمى جامد. والمصادر كلها جوامد، ليس عندنا مصدر مشتق، وإنما كلها جوامد، والكلام في الأفعال والصفات، يعني: اسم الفاعل ونحوه.
وهذا القول {هُوَ قَوْلُ الْخَلِيلِ وَسِيبَوَيْهِ وَالأَصْمَعِيِّ وَأَبِي عُبَيْدٍ وَقُطْرُبٍ, وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ} عند النحاة في جميع مدارسهم أن اللفظ ينقسم إلى مشتق وجامد.
{الْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ الأَلْفَاظَ كُلَّهَا جَامِدَةٌ مَوْضُوعَةٌ} وليس منها شيء مشتق من شيء، بل كلها موضوعة، {وَبِهِ قَالَ نِفْطَوَيْهِ مِنْ الظَّاهِرِيَّةِ} القول ضعيف هذا.