{وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنَّ الأَلْفَاظَ كُلَّهَا مُشْتَقَّةٌ} وتكلفوا للجامد اشتقاقًا، {وَهُوَ قَوْلُ الزَّجَّاجِ وَابْنِ دُرُسْتَوَيْهِ، وَغَيْرِهِمَا, حَتَّى قَالَ ابْنُ جِنِّي: الاِشْتِقَاقُ يَقَعُ فِي الْحُرُوفِ} وهذا بعيد، المصادر كلها جامدة والحروف كذلك كلها جامدة، لكن هنا ادعى أن جميع الألفاظ مشتقة حتى الحروف، وتكلَّف لها اشتقاقًا.
قال: {فَإِنَّ نَعَمْ} نعم هذا حرف.
{حَرْفُ جَوَابٍ, وَالنِّعَمُ وَالنَّعِيمُ وَالنَّعْمَاءُ وَنَحْوُهَا مُشْتَقَّةٌ مِنْهُ} وما أبعد هذا القول، بعيد هذا.
{وَسَيَأْتِي فِي الْمَتْنِ انْقِسَامُهُ إلَى أَصْغَرَ وَأَكْبَرَ وَأَوْسَطَ} .
إذًا: الاشتقاق قال: (رَدُّ لَفْظٍ إِلَى آخَرَ) والاشتقاق ثلاثة أنواع: أصغر وأكبر وأوسط، وهذا التعريف الذي قدَّمه المصنف إنما هو للأصغر فحسب، فلا يدخل فيه المتوسط ولا الأكبر.
قال: (رَدُّ لَفْظٍ إِلَى آخَرَ) ، (رَدُّ لَفْظٍ) هذا جنس، والمراد بالرد هنا: جعل أحدهما أصلًا والآخر فرعًا، ولذلك يُعبَّر عن المصدر بأنه أصل:
وَالمَصْدَرُ الأَصْلُ وَأَيُّ أَصْلِ ... وَمِنْهُ يَا صَاحِ اشْتِقَاقُ الفِعْلِ
المصدر أصل، يسمى ماذا؟ أصلًا، والفعل يسمى فرعًا، والوصف -الذي هو اسم الفاعل- يسمى مشتقًا لكن يسمى فرعًا، إذًا: عندنا أصل وعندنا فرع، جعلُ أحدهما أصلًا والآخر فرعًا هذا هو الرد.
إذًا: (رَدُّ لَفْظٍ) هذا جنس في الحد، والمراد به: جعل أحدهما أصلًا والآخر فرعًا.
والفرع مردود إلى الأصل، ودخل هنا الاسم والفعل على كل مذهب.
(رَدُّ لَفْظٍ) ما قال رد الفعل إلى المصدر؛ لأنه لو قال: رد الفعل والوصف إلى المصدر؛ خرج مذهب الكوفيين الذين عكسوا وردوا المصدر إلى الفعل، إذ ثَمَّ خلاف بين المدرستين: هل الأصل في الاشتقاق هو المصادر أو الأفعال؟ هل نقول: خرج مشتق من الخروج أو العكس؟ قوله: (رَدُّ لَفْظٍ إِلَى آخَرَ) يشمل المذهبين؛ لأنه لم يُعيِّن ولم يحدد، فدخل الاسم والفعل على كل مذهب، فإن النحاة اختلفوا في الأصل: هل هو المصدر أو الفعل أو كل واحد منهما أصل بنفسه؟ ثلاثة أقوال، فذهب البصريون إلى أن الفعل والوصف مشتق من المصدر، وهذا هو الصحيح.
وَالمَصْدَرُ الأَصْلُ وَأَيُّ أَصْلِ ... وَمِنْهُ يَا صَاحِ اشْتِقَاقُ الفِعْلِ
(وَكَوْنُهُ أَصْلًا لِهَذَيْنِ انْتُخِبْ) .. (كَوْنُهُ) -أي المصدر- (أَصْلًا لِهَذَيْنِ) اللذَين هما الفعل والوصف (انْتُخِبْ) يعني: اختير.
وذهب الكوفيون إلى أن المصدر والوصف مشتق من الفعل، وهو مذهب ضعيف.
وذهب أبو طلحة إلى أن كلًا من المصدر والفعل أصل بنفسه، وهو أضعف وأضعف.
إذًا: الصحيح أن الفعل والوصف مشتق من المصدر، والمصدر أصل وما عداه فهو فرع.
فقوله: (رَدُّ لَفْظٍ إِلَى آخَرَ) يشمل كل المذاهب.