لأنه إنما اشتُق من المصدر للدلالة على ذات متصفة بصفة، وهذه الصفة مطردة فحينئذٍ كلما وُجد المعنى وُجد المشتق، وهذا الذي عناه بقوله: (وَيَطَّرِدُ) {الاِشْتِقَاقُ} يعني: استعمالًا {فِيمَا هُوَ} (كَاسْمِ الْفَاعِلِ) {كَضَارِبٍ} (وَنَحْوِهِ) مما في معناه، يعني: كل مشتق من غيره مما يعنون له النحاة بالمشتقات، أو ما يزاد عليه عند الصرفيين كذلك بالمشتقات؛ لأن المشتقات عند الصرفيين أعم من المشتقات عند النحاة، لأن النحاة يعنون بالمشتق ما يعمل، وأما الذي لا يعمل فلا يدخلونه في المشتق، كاسم الآلة مثلًا، مفتاح هذا لا يعمل عندهم، فلا يعبرون عنه بأنه مشتق بخلاف الصرفيين، لأنه مأخوذ من غيره، بقطع النظر عن كونه يعمل أو لا يعمل، فيسمى مشتقًا، وأما عند النحاة فيعبرون بالمشتق عما يعمل، وأما لا يعمل فلا يدخلونه في هذا المحل، ولذلك قال: (كَاسْمِ الْفَاعِلِ وَنَحْوِهِ) يعني: مما في معناه، {كَاسْمِ الْمَفْعُولِ كَمَضْرُوبٍ} هذا يطلق مضروب على كل ذات وقع عليها الضرب، ومقتول يطلق على كل ذات وقع عليها أو بها القتل، وضارب وقاتل وصائم ومصل، هذه كلها أسماء فاعلين تدل على ذات وقع منها هذا الحدث، فلا يختص به زيد دون عمرو من الناس.
{وَالصِّفَةِ الْمُشَبَّهَةِ -كذلك- كَالْحَسَنِ الْوَجْهِ , وَأَفْعَلَ التَّفْضِيلِ: كَأَكْبَرَ, وَاسْمِ الْمَكَانِ: كَمَلْعَبٍ, وَاسْمِ الزَّمَانِ: كَالْمَوْسِمِ, وَاسْمِ الآلَةِ: كَالْمِيزَانِ} فالمشتق يطرد إطلاقه في جميع مدلولاته، فإن الضارب مثلًا يطلق على كل من ثبت له الضرب، لفظ الضارب هذا اسم فاعل، وكذلك المضروب والحسن الوجه وغيرها، وهذا هو الأصل فيه، الأصل في المشتق .. لأنه هو فائدة الاشتقاق، إنما نشتق فرعًا من أصل ليدل على ذات وصفة، هذا الأصل في الاشتقاق. ما الفائدة التي تكون مرجوة من الاشتقاق من رد فرع إلى أصل؟ هو الدلالة على ذاتٍ مثلًا وصفة، لو كان الاشتقاق لا ينبني عليه الطرد فحينئذٍ ما الفائدة منه؟ نقول: لا فائدة فيه، ولذلك ما كان مختصًا هذا معدود الألفاظ، وليس عندهم إلا الدبور ونحوه، وما ذكره هنا كالقارورة، هذا يختص بمحله ولو كان ملاحظًا فيه المعنى، لكن لا يطَّرد في غيره.
قال: (وَقَدْ يَخْتَصُّ) "قد"هذه للتقليل.
(يَخْتَصُّ) يعني: الاشتقاق، {فَلاَ يَطَّرِدُ} كما هو الشأن في اسم الفاعل ونحوه، (كَالْقَارُورَةِ) الكاف هنا للتمثيل، واحدة القوارير من الزجاج، {فَإِنَّهَا مُخْتَصَّةٌ بِالزُّجَاجَةِ} قارورة مختصة بالزجاجة، مع أنها تدل على القرار والاستقرار، قارورة من زجاج استقر فيها الماء فسميت قارورة من الاستقرار، إذًا فيه معنى الاشتقاق، عندنا رد فرع إلى أصل، لكن هل كلما وجد شيء من مائع ما استقر في شيء ما يسمى قارورة؟ الجواب: لا، لا يتعدى، وإنما يختص بالمحل فحسب، وهذا يحتاج إلى الوقوف على تنصيص أهل العلم من أئمة اللغة على ذلك، وإلا الأصل هو السابق: (وَيَطَّرِدُ) هذا الحكم الأصل.
(وَقَدْ يَخْتَصُّ) على قلةٍ، وهذا موقوف على السماع، وهو نادر في ألفاظ معدودة، وإلا الأصل أنه كلما وجد شيء مستقر في شيء من مائع أنه يسمى قارورة، لكن اختص هنا لمعنىً.