(وَقَدْ يَخْتَصُّ) الاشتقاق، {فَلاَ يَطَّرِدُ} في كل موضع، كما هو الشأن في اسم الفاعل، (كَالْقَارُورَةِ) {فَإِنَّهَا مُخْتَصَّةٌ بِالزُّجَاجَةِ} فلا تتعداها، {وَإِنْ كَانَتْ -القارورة- مَأْخُوذَةً مِنْ الْقَرِّ فِي الشَّيْءِ} إذًا: فيه معنى الاشتقاق، عندنا قر وعندنا قارورة فيه معنى الاشتقاق، كما هو الضرب والضارب، لكن لا يطرد كما هو الشأن في السابق.
{وَلَمْ يُطْرِدُوا ذَلِكَ إلَى كُلِّ مَا يُقَرُّ فِيهِ الشَّيْءُ مِنْ خَشَبٍ أَوْ خَزَفٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ} وإنما اختص بالقارورة من الزجاج فحسب، فما عداه فلا، فلو استقر الماء أو المائع في خشب لا نقول: هذا قارورة، بناءً على أن كل ما استقر في شيء فهو قارورة.
{وَكَالدَّبَرَانِ مَنْزِلَةٌ لِلْقَمَرِ, وَإِنْ كَانَ مِنْ الدَّبُورِ, فَلاَ يُطْلَقُ عَلَى كُلِّ مَا هُوَ مَوْصُوفٌ بِالدَّبُورِ, بَلْ يَخْتَصُّ بِمَجْمُوعِ خَمْسَةِ كَوَاكِبَ مِنْ الثَّوْرِ, وَهُوَ الْمَنْزِلُ الرَّابِعُ مِنْ مَنَازِلِ الْقَمَرِ الْمُعَاقِبِ لِلثُّرَيَّا، وَكَذَلِكَ الْعَيُّوقُ وَالسَّمَّاكُ، قَالَهُ الْعَضُدُ} أربعة ألفاظ.
{وَكَأَنَّ عَدَمُ الاِطِّرَادِ} لماذا؟ ما السبب هنا عدم الاطراد؟ {لِكَوْنِ التَّسْمِيَةِ لاَ لِهَذَا الْمَعْنَى فَقَطْ, بَلْ لِمُصَاحَبَتِهِ لَهُ} يعني: لا لكون المعنى ملاحظًا في التسمية، فليس المعنى داخلًا في الاسم، وإنما وُجد فيه المعنى، ولذلك قالوا: {فَرْقٌ بَيْنَ تَسْمِيَةِ الْعَيْنِ لِوُجُودِ الْمُشْتَقِّ مِنْهُ فِيهِ} فُيلاحظ في الذات المعنى الذي اشتق منه الأصل، حينئذٍ يوضع الاسم ملاحظًا الذات والمعنى، وهنا لم يلاحظ المعنى في التسمية، وإنما وُجد فيه، وفرق بين النوعين.
قال هنا: الضابط كما قال الزركشي في التشنيف: أن المطرد ما كان لذات قُصِدَ فيه المعنى، فرق بين النوعين، المطَّرد: ما كان لذات قُصِدَ فيه المعنى، والمختص: ما قُصد مجرد الذات والمعنى تابع، وحينئذٍ النوع الثاني -القارورة- لم يدخل المعنى في المسمى، وإنما كان المعنى تابعًا للذات.
قال البناني: المشتق إن اعُتبر في مسماه، -انظر إن اعُتبر في مسماه-، يعني: لوحظ في التسمية، إن اعُتبر في مسماه معنى المشتق منه على أن يكون داخلًا فيه بحيث يكون المشتق اسمًا لذات مبهمة انتسب إليها ذلك المعنى فهو مطرد لغة كضارب ومضروب، وإن اعُتبر فيه ذلك لا على أنه داخل فيه .. في التسمية، بل على أنه مصحح للتسمية مرجِّح لتعيين الاسم من بين الأسماء بحيث يكون ذلك الاسم اسمًا لذات مخصوصة يوجد فيها ذلك المعنى -وُجِد فيها ذلك المعنى-، فهو مختص لا يطَّرد في غيرها، مما وُجد فيه ذلك المعنى كالقارورة .. إلى آخر كلامه.
إذًا: هذا الكلام اختصره الفتوحي في قوله: {وَفَرْقٌ بَيْنَ تَسْمِيَةِ الْعَيْنِ لِوُجُودِ الْمُشْتَقِّ مِنْهُ فِيهِ} فحينئذٍ المعنى داخل في التسمية {وَهُوَ الاِطِّرَادِيُّ, أَوْ لِوُجُودِهِ فِيهِ} ولم يكن داخلًا في التسمية {وَهُوَ مَا لاَ يَطَّرِدُ} الكلام مختصر لما وسعه البناني رحمه الله تعالى.