قال هنا: {وَلَمْ يُسَمُّوا ذَلِكَ الْجِسْمَ مُتَكَلِّمًا، دَلِيلُ أَهْلِ السُّنَّةِ: الاسْتِقْرَاءُ، فَإِنَّ لُغَةَ الْعَرَبَ اُسْتُقْرِئَتْ فَلَمْ يُوجَدْ فِيهَا اسْمُ فَاعِلٍ مُطْلَقٌ عَلَى شَيْءٍ إلاَّ وَالْمَعْنَى الْمُشْتَقُّ مِنْهُ قَائِمٌ بِهِ، وَهُوَ يُفِيدُ الْقَطْعَ بِذَلِكَ} ، يعني: استقراء تام، ولا خلاف في هذه القاعدة أصلًا .. أنه إذا وُجد الوصف في ذات حينئذٍ اشتققنا لهذه الذات اسم فاعل، هذا الأصل فيه، وإذا لم يقم حينئذٍ لا اشتقاق، فهما متقابلان. إذا لم يقم الوصف بالذات يمتنع الاشتقاق، فلا يقال لمن لا يتصف بالقدرة: أنه قدير، أو لا يتصف بالعلم أنه عالم، أليس كذلك؟ الجاهل الآن يقال إنه عالم؟ على كلام المعتزلة تأتي إلى أجهل الناس تقول: عالم بلا علم، جاهل بجهل، أليس كذلك؟ عالم بلا علم، كل الناس عالمون بلا علم إلا العلماء.
إذًا هنا قال: ودليل أهل السنة الاستقراء التام الذي أفاد القطع.
هذه المسألة الآتية، وهي منفصلة عن السابقة، قال: {وَأَبْيَضَ وَنَحْوِهِ يَدُلُّ عَلَى ذَاتٍ مُتَّصِفَةٍ بِبَيَاضٍ لاَ خُصُوصِيَّتِهَا} يعني: يُعَنْوَن لهذه المسألة: ليس في المشتق إشعار بخصوصية الذات، أليس كذلك؟ كيف هذا؟ إذا قلت: ضارب، ضارب هذا دل على ماذا؟
دل على شيئين، هكذا يكون الجواب علميًا. دل على شيئين: ذات وصفة، كل مشتق .. اسم فاعل واسم مفعول تقول: دل على شيئين: ذات وصفة، طيب. الذات ما المراد بها؟ الشخص أو الجماد .. إذا وصفت الجدار مثلًا، وحينئذٍ الشخص إذا قلت: صائم أو ضارب دل على ذاتٍ، هل هذه الذات مبهمة أو معينة؟ مبهمة، إذًا: المشتق ليس فيه إشعار بخصوصية الذات، قد يقال بأن ضارب: ذات يصح أن تتصف بالضرب، يعني: يُعلم من ضارب أنه ليس بجماد وليس بشجر، وقد يكون بهيمة، وقد يكون إنسانًا، لكن ليس فيه تعيين، لكن لو قلت: أبيض، أبيض على وزن أفعل دل على ذات وصفة وهي البياض، أبيض يحتمل ماذا؟ جماد، جسم، شجرة، أرض، شخص، أيًا كان، وحينئذٍ نقول: ليس في اللفظ دلالة على خصوصية معينة، وإنما يكون مبهمًا، لكن اسم الفاعل على جهة الخصوص عند النحاة: أنه يدل على الفاعل بالوضع، الدلالات ثلاث مر معنا. بالوضع، يعني: العرب وضعت اسم الفاعل للدلالة على الفاعل لكنه غير معين، ولذلك عندهم القاعدة: أن الفعل"قام ويقوم وقم"يدل على الفاعل بدلالة الالتزام، وهذا من الغرائب يعني، وهو حق، لكن الأصل في العمل والأصل في الصفات عندهم هو الفعل، لكن مع ذلك لا يدل على الفاعل بالوضع، وإنما يدل على الفاعل بالالتزام، فلا دلالة مطابقة ولا دلالة تضمن، بخلاف اسم الفاعل ضارب؛ فإنه يدل على الفاعل بدلالة المطابقة، يعني: ذات متصفة بالضرب مثلًا، وأما الفعل"قام"هذا لا يدل بذاته على الفاعل وإنما يستلزمه، بناءً على ماذا؟ على أن القيام حدث، وكل حدث لا بد له من محدث، وحينئذٍ أين هو؟ فلا بد من ذكره.
وَبَعْدَ فِعْلٍ فَاعِلٌ فَإِنْ ظَهَرْ ... فَهْوَ وَإلِاَّ فَضَمِيرٌ اسْتَتَرْ