إذًا قال: {وَالْمُشْتَقُّ مِثْلُ"أَبْيَضَ وَنَحْوِهِ"كَأَسْوَدَ وَضَارِبٍ وَمَضْرُوبٍ} مفهومها {يَدُلُّ عَلَى ذَاتٍ} يعني: كل واحد من هذه المذكورات يدل على ذاتٍ ما {مُتَّصِفَةٍ بِبَيَاضٍ أَوْ سَوَادٍ أَوْ وُجُودِ ضَرْبٍ} فإن الأبيض مثلًا يدل على ذات ما متصفة بالبياض، لكن خصوصية الذات لا يتعرض المشتق لهذه الذات من هذه الحيثية، (لاَ خُصُوصِيَّتِهَا) يعني: لا يدل على تعيينها: هل هي جماد؟ هل هي بشر؟ هل هي بهيمة؟ لا يتعرض لذلك البتة، لكن قد يؤخذ من الوصف، فضارب مثلًا تعلم أن الضرب لا يقع من الشجر، ولا يقع من الأرض، ولا يقع من الجماد، وإنما قد يقع من البهيمة .. يعني من ذي روح .. من ذي حياة.
(لاَ خُصُوصِيَّتِهَا) أي: لا يدل على خصوص تلك الذات من جسم وغيرها لا بطريق المطابقة ولا التضمن. هكذا في التحرير وشرحه، وزاد في المختصر: {"بِهِ"أَيْ: لاَ عَلَى أَنَّهَا مُخْتَصَّةٌ بِذَلِكَ الْوَصْفِ، ثُمَّ إنْ عُلِمَ مِنْهُ شَيْءٌ فَهُوَ عَلَى طَرِيقِ الاِلْتِزَامِ} يعني: إن جاء شيء من التخصيص لا من ذات اللفظ، وإنما من شيء آخر، {لاَ بِاعْتِبَارِ كَوْنِهِ جُزْءًا مِنْ مُسَمَّاهُ. وَاَلَّذِي يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ: أَنَّ قَوْلَنَا"إِنَّ الأَبْيَضَ جِسْمٌ"مُسْتَقِيمٌ} هل يصح أو لا يصح؟ هذا يستقيم، الأبيض جسم، لو كان الأبيض يدل على الجسم لقلت ماذا؟ على خصوص الاسم، لكان غير مستقيم؛ لأنه حينئذٍ يكون معناه: الجسم ذو البياض جسم، أليس كذلك؟ الأبيض جسم، وحينئذٍ نقول: الأبيض لا يدل على الجسمية، لو دل عليها لصار تكرارًا، كأنك قلت: الجسم ذو البياض جسم، وهذا لا يستقيم.
{لِلُّزُومِ التَّكْرَارِ بِلاَ فَائِدَةٍ. وَمَا أَحْسَنَ مَا قَرَّرَهُ بَعْضُهُمْ بِقَوْلِهِ:"الْمُشْتَقُّ لاَ إشْعَارَ لَهُ بِخُصُوصِيَّةِ الذَّاتِ"، فَالأَسْوَدُ -مَثَلًا- ذَاتٌ لَهَا سَوَادٌ، وَلا يَدُلُّ عَلَى حَيَوَانٍ، وَلاَ غَيْرِهِ. وَالْحَيَوَانُ: ذَاتٌ لَهَا حَيَاةٌ، لاَ خُصُوصُ إنْسَانٍ وَلاَ غَيْرِهِ} .
ثم قال رحمه الله تعالى: (وَالْخَلْقُ غَيْرُ الْمَخْلُوقِ) المصنف هنا أفادنا رحمه الله تعالى مسائل عديدة في مسائل المعتقد في هذا الفصل.
(وَالْخَلْقُ غَيْرُ الْمَخْلُوقِ) هذا لا شك أن ثَمَّ فرقًا بين الفعل والمفعول، والخلق والمخلوق، فالخلق صفة للباري جل وعلا، والمخلوق هذه منفصل عنه، وحينئذٍ ليس المخلوق في عين الخالق، ولا الخلق في عين المخلوق، بل هما متغايران.
قال: (وَهُوَ) {أَيْ الْخَلْقُ} (فِعْلُ الرَّبِّ تَعَالَى قَائِمٌ بِهِ) مع أزليته. (مُغَايِرٌ لِصِفَةِ الْقُدْرَةِ) حينئذٍ لا يُفسر الخلق بالقدرة، فيه رد على أهل البدع؛ لأن المخالف هنا يقول: إنما هو موصوف بالقدرة التي تتناول ما يخلقه وما لا يخلقه، ففسروا الخلق بالقدرة، سواء في نفسه كان خالقًا أو لم يكن خالقًا، ليس له من كونه خالقًا صفة ثبوتية، لا صفة كمال ولا صفة وجود مطلقٍ كما له بكونه قادرًا، وهذا قول باطل.
إذًا: الخلق غير المخلوق، والخلق فعل الرب تعالى قائم به، فهو صفة من أوصافه المبنية على أسمائه.