{قَالَ ابْنُ مَالِكٍ: وَكَوْنُهَا لِلْمَعِيَّةِ رَاجِحٌ، وَلِلتَّرْتِيبِ كَثِيرٌ، وَلِعَكْسِهِ قَلِيلٌ} يعني: هذا من حيث كثرة الاستعمال في لسان العرب أو في القرآن أو في السنة ونحوها، يعني: مجيئها للمعية دون الترتيب وعكسه أكثر، وقد تأتي للترتيب وهو كثير وليس بالأكثر، وقد تأتي لعدم الترتيب لكنه قليل؛ لأن العرب وضعت لما يدل على الترتيب حرفًا خاصًا، وإذا كان كذلك فحينئذٍ لا يُعدل عن الخاص إلى لفظ محتمل، ولذلك البليغ إذا أراد الترتيب استعلم ثم مثلًا، أو استعمل الفاء، ولا يأتي بالواو، لا يقول: جاء زيد وعمرو ويقصد به الترتيب، وهذا الفصيح البليغ، وإنما يعدل عن الواو إلى الحرف الخاص، ولذلك قلَّ استعمال الواو للترتيب مع كونها يجوز أن يراد بها الترتيب.
{وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ مُتَعَاطِفَيْهَا تَفَاوُتٌ أَوْ تَرَاخٍ نَحْوَ -قوله تعالى-: (( إنَّا رَادُّوهُ إلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنْ الْمُرْسَلِينَ ) )} تراخٍ بينهما، يعني: لا يلزم أن يكون بين المعطوف بالواو وسابقه أن يكون بينهما ارتباط في الزمن، يعني: أن يقع بعده مباشرة، وإنما قد يكون بمهلة، ثم هذه المهلة تطول.
قال هنا في قوله: ِ (لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ) {التَّعْبِيرُ بِكَوْنِهَا لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ، -كَمَا فِي الْمَتْنِ-: هُوَ الصَّحِيحُ. وَأَمَّا مَنْ عَبَّرَ بِكَوْنِهَا لِلْجَمْعِ الْمُطْلَقِ} عبارتان: مطلق الشيء والشيء المطلق، فكلٌ منهما يراد به المعنى المغاير للمعنى الآخر.
قال: {وَأَمَّا مَنْ عَبَّرَ بِكَوْنِهَا لِلْجَمْعِ الْمُطْلَقِ فَلَيْسَ بِوَافٍ بِالْمُرَادِ} لأن الجمع المطلق يدخل تحته صورة واحدة فقط، وهو المراد به الكمال، ومطلق الشيء يشمل كل شيء .. يدخل تحته كل صورة. إذًا: أيهما أعم وأيهما أخص؟ الأمر المطلق .. الشيء المطلق هذا خاص؛ لأنه يشمل الشيء على كماله، ولا شك أن الشيء بكماله صورة واحدة فلا يتعدد، وأما مطلق الشيء هذا يدخل تحته كل الصور .. جميع الصور، ولذلك نقول: الماء المطلق يعني: الطهور، الذي هو أعلى الدرجات .. أعلى الأقسام الثلاثة: طهور، طاهر، نجس. فإذا قلت: الماء المطلق يعني: الذي بلغ الغاية .. النهاية وهو الطهور، ليس ثَمَّ غيره، وإذا قلت: مطلق الماء؛ دخل فيه الماء الطهور والماء الطاهر.
إذًا: مطلق الشيء يعم كل شيء، والشيء المطلق خاص. هنا إذا قيل: الجمع المطلق فحينئذٍ لا يحتمل إلا الظاهر وهو المعية، وأما الترتيب وعدمه هذا الأصل فيه أنه لا يدخل، يعني: (مُطْلَقِ الْجَمْعِ) هذه تدخل فيه جميع الصور الثلاثة المحتملة للواو، والجمع المطلق لا يدخل تحته إلا صورة واحدة فقط.