فهرس الكتاب

الصفحة 279 من 1890

قال هنا: {لَيْسَ بِوَافٍ بِالْمُرَادِ؛ لأَنَّ الْمُطْلَقَ هُوَ الَّذِي لَمْ يُقَيَّدْ بِشَيْءٍ، فَيَدْخُلُ فِيهِ صُورَةٌ وَاحِدَةٌ، وَهُوَ قَوْلُنَا مَثَلًا:"قَامَ زَيْدٌ وَعَمْرٌو"فَلا يَدْخُلُ فِيهِ الْقَيْدُ} القيد انتبه. {لاَ يَدْخُلُ فِيهِ الْقَيْدُ بِالْمَعِيَّةِ، وَلا بِالتَّقْدِيمِ، وَلاَ بِالتَّأْخِيرِ} يعني: الصور الثلاث، وإنما يشمل صورة واحدة فحسب. {لِخُرُوجِهَا بِالتَّقْيِيدِ عَنْ الإِطْلاقِ. وَأَمَّا مُطْلَقُ الْجَمْعِ فَمَعْنَاهُ: أَيُّ جَمْعٍ كَانَ. فَحِينَئِذٍ تَدْخُلُ فِيهِ الصُّوَرُ كُلُّهَا} .

إذًا الحاصل: أن الواو لمطلق الجمع، وهذا التعبير أولى، يعني: لا تدل بذاتها على ترتيب ولا معية، فإذا قلت: قام زيد وعمرو احتمل ثلاث معان على التفصيل الذي ذكرناه سابقًا، واستدل ابن هشام رحمه الله تعالى على ذلك بقوله تعالى عن منكري البعث: (( وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا ) ) [الجاثية:24] فالموت بعد الحياة، مع أنهم قدموه لما كان الغرض نفي الجمع لا الترتيب، (( وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا ) ) [الجاثية:24] وهم أنكروا البعث، على ظاهره أنهم آمنوا، ولكن ليس هذا مرادًا، وإنما مرادهم نحيا ونموت، هذا الذي يراد، فلما قدموا وأخروا دل على أن الواو هنا لا تفيد ترتيبًا. إذًا: هي لمطلق الجمع.

قال رحمه الله تعالى: (وَتَأْتِي بِمَعْنَى مَعَ) هنا شروع في المعنى الثانوي، وهذا بناءً على الخلاف بدلالة الحرف على معنى حرف آخر.

(مَعَ) هذه ظرف، وإن شئت قل: حرف؛ على الخلاف، وحينئذٍ الواو تأتي بمعنى مع، والواو تأتي بمعنى القسم أو الاستئناف، أو إلى تأتي بمعنى كذا .. حينئذٍ نقول: أداء حرف معنى حرف آخر، هل هذا جائز أم لا؟ فيه خلاف بين النحاة، يعني: تضمين حرف معنى حرف آخر، وهذا مذهب الكوفيين.

أما مذهب البصريين: فعندهم لا يجوِّزون تضمين حرف معنى حرف آخر، وإنما يُضمِّنون الفعل معنى فعل آخر يتعدى بهذا الحرف، حجتهم قوية وهي: أن الذي يدل على المعنى هو الفعل، وأما الحرف لا يدل على معنى في نفسه، وحينئذٍ نُضمِّن الفعل معنى فعل آخر يدل أو يتعدى بالحرف المذكور أولى من أن نقول بأنه قام حرف مقام حرف آخر، حينئذٍ نقول: التضمين هنا يعني: مجيء الحرف بمعنى حرف آخر إما أن نجعل المعنى -ويكاد أن يكون متفق عليه- أن السياق يدل على هذا المعنى، لكن التضمين يكون في ماذا؟ هل هو في الفعل أو في الحرف؟ هنا محل النزاع، وإلا لا خلاف بين البصريين والكوفيين أن السياق يقتضي أن هذا الحرف ليس في معناه، يعني: لم يُستعمل في المعنى الذي وُضع له في لسان العرب ابتداءً، وحينئذٍ لا بد من التجوُّز، فهل نقول: الفعل ضُمِّن معنى فعل آخر؟ أو نقول: الحرف استُعمل بمعنى حرف آخر؟ مذهبان: الأول عليه البصريون .. عامة البصريين وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، والثاني وهو مذهب الكوفيين، والأمر واسع في هذا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت