{وترتيب ذِكْرِيٌّ: وَهُوَ عَطْفُ مُفَصَّلٍ عَلَى مُجْمَلٍ هُوَ هُوَ فِي الْمَعْنَى} يعني: تعطف شيئًا على نفسه، فتفيد الترتيب لكنه من حيث المعنى، لا أن ما بعدها قد وقع بعد ما قبلها؛ لأنه هو عينه فكيف يقع بعده؟ بل هي مفصلة.
{كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (( فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ ) )} فَأَزَلَّهُمَا .. فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ. قوله: (( فَأَخْرَجَهُمَا ) )الفاء هذه عاطفة، وتفيد الترتيب، لكن الترتيب هنا ذكري، لماذا؟ لأن قوله: (أزلهما) ليس شيئًا مغايرًا لقوله: (أخرجهما) بل هو عينه، ومعلوم أن الترتيب الحقيقي إنما يكون بين ذاتين أو بين شيئين أحدهما مغاير للآخر، فإذا كان هو عينه فكيف يقع الترتيب؟ وحينئذٍ نقول: هذا الترتيب المراد به الترتيب المعنوي.
وقوله: { (( فَتُوبُوا إلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ) )} ما حقيقة التوبة؟ اقتلوا أنفسكم، إذًا: الفاء هذه عطفت، والمراد بالعطف هنا الترتيب الذكري، والدليل على ذلك: أن ما بعدها تفصيل لما قبلها، فهو عينه .. ليس مغايرًا له.
{ (( فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ ) )} انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ هو عين الإغراق، كذلك يقال: {تَوَضَّأَ فَغَسَلَ وَجْهَهُ} ، توضأ على أي شيء يصدق؟ على غسل الوجه وما بعده، وحينئذٍ جاءت الفاء هنا للتفصيل.
(وَتَعْقِيبٍ) يعني: {وَتَأْتِي الْفَاءُ أَيْضًا لِتَعْقِيبٍ} كما جاءت للترتيب، والمراد بالتعقيب: {كَوْنُ الثَّانِي بَعْدَ الأَوَّلِ بِغَيْرِ مُهْلَةٍ، فَكَأَنَّ الثَّانِيَ أَخَذَ بِعَقِبِ الأَوَّلِ فِي الْجُمْلَةِ} والتعقيب المراد به هنا: كل شيء بحسبه .. كلٌ بحسبه لكن من جهة العرف.
{يَعْنِي: أَنَّ التَّعْقِيبَ يَكُونُ فِي كُلِّ شَيْءٍ بِحَسَبِهِ، تَقُولُ: تَزَوَّجَ فُلانٌ فَوُلِدَ لَهُ} ليس مباشرة عقد فوُلد له، وإنما يأتي {إِذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا إِلاَّ مُدَّةُ الْحَمْلِ وَإِنْ طَالَتْ} ، فحينئذٍ نقول: التعقيب هنا بحسبه، يعني: بحسب العقد وما يتعلق به.
كذلك: دخلت البصرة فالكوفة، إذا لم يُقِم بالبصرة ولا بين البلدين، دخلت البصرة فالكوفة، مباشرة؟ لا، بينهما المدة التي يُسافَر فيها.
وَقَطَعَ بِهِ ابْنُ هِشَامٍ فِي مُغْنِي اللَّبِيبِ.
وَنَقَلَ الرَّازِيّ وَأَتْبَاعُهُ الإِجْمَاعَ: أَنَّهَا لِلتَّرْتِيبِ وَالتَّعْقِيبِ، لَكِنْ قَالَ الْفَرَّاءُ: إنَّهَا لا تَدُلُّ عَلَى التَّرْتِيبِ، بَلْ قد تُسْتَعْمَلُ فِي انْتِفَائِهِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (( وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا ) ).."فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا"البأس متى يأتي؟ قبل الإهلاك، مَعَ أَنَّ مَجِيءَ الْبَأْسِ مُقَدَّمٌ عَلَى الإِهْلاكِ.