فهرس الكتاب

الصفحة 30 من 1890

(قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ ) ) [هود:91] ما نفقه أي: ما نفهم، وهذا الدليل نستمسك به في أن الفقه يطلق ويراد به ما هو ظاهر واضح بين، خلافًا لمن خص الفقه بما دق وخفي، لماذا؟ لأن شعيب إنما دعا قومه في الأصل إلى التوحيد .. إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وهي من أوضح الواضحات، يعني: مما يفهمه الكل .. الجميع، فإذا كان الأمر ومع ذلك أطلق الفقه، (( قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ ) ) [هود:91] أي: لا نفهم. وهذا القول هو أصح الأقوال: أن الفقه هو الفهم مطلقًا دون تخصيص لاستعمال الشارع لذلك دون تقييد، وأطلق أهل اللغة بأن الفقه هو الفهم دون تقييد أو تخصيص، فحينئذٍ كل من خصص هذا المعنى بقيد يحتاج إلى دليل، ولا دليل.

وهذا القول أصح الأقوال.

وقيل: الفقه فهم ما يدِق، وهذا نذكره ونذكر الخلاف القوي، الفقه: فهم ما يدق، قاله أبو إسحاق الشيرازي في شرح اللمع.

قال ابن هبيرة: هو استخراج الغوامض والاطلاع على أسرار الكلم. قال في شرح التحرير: وَهُوَ أَظْهَرُ، في شرح التحرير رجح قول أبي إسحاق الشيرازي بأنه ماذا؟ فهم ما يدق. لماذا؟ قالوا: فإنه لا يقال: فقِهت أن السماء فوقنا، ولا أن النار حار. يعني لا يستعمل ذلك في لسان العرب. ونحو ذلك. ويقال: فقهت كلامك، وهذا يقتضي ماذا؟ أن الفقه أخص من العلم.

قال ابن مفلح -من أصحابنا- عن كلام ابن هبيرة: ولعله مراد من أطلق.

قلت: وفيه نظر؛ لإطلاق كلام أهل اللغة، ولاستعمال الشرع له فيما لا يدق كالمسألة أو الآية السابقة في قوله: (( قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ ) ) [هود:91] .

وأما قولهم: فإنه لا يقال فقهت أن السماء فوقنا نعم، لا يقال هذا، لماذا؟ لأن متعلق الفقه هو المعقولات لا المحسوسات، يعني في استعمال لسان العرب أن الفقه إنما يتعلق بالمعقولات لا بالمحسوسات، لا تقل: فقهت أنك أمامي، لا، هذا غلط، لماذا؟ لأن من أمامك تدركه بحاسبة البصر، وإذا كان كذلك حينئذٍ لا يستعمل فيه الفقه.

قال رحمه الله تعالى: (وَالْفِقْهُ لُغَةً: الْفَهْمُ) ثم أراد أن يبين لنا ما هو الفهم، قال: (وَهُوَ) أي: الفهم الذي هو معنى الفقه، (إِدْرَاكُ مَعْنَى الْكَلَامِ) إدْرَاكُ هذا مصدر أدرك يُدرك إدراكًا، وهو مطلق هنا، يعني يشمل إدراك المفردات، ويشمل إدراك المركبات، لكن لما أضافه إلى معنى الكلام قيده بماذا؟ بالمركبات، لما أضافه إلى ما بعده قيده بالمركبات، فالإضافة إلى ما بعده حصل به التقييد.

والإدراك في اللغة: بلوغ غاية الشيء ومنتهاه، يقال: أدركت الثمرة إذا وصلت وبلغت حد الكمال، هذا معنى الإدراك. وأدرك الصبي إذا بلغ، يعني وصل إلى الحد الذي هو أهل للتكليف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت