وَالثَّانِي قال الشارح: {أَنْ لاَ تَقْتَرِنَ بِالْوَاوِ - عِنْدَ أَكْثَرِ النُّحَاةِ- وَالتَّالِي لَهَا مُفْرَدٌ} كأنه جمع بين الشرطين، وإلا في الحقيقة هي ثلاثة.
أن لا يتقدمها حرف عطف يعني: الواو، هل معنى ذلك: أنه لا يجوز في لسان العرب أن يجتمع"الواو"و"لكن"؟ ليس هذا المراد، يجوز، لكن إذا جاءت الواو سابقة للكن فحينئذٍ العطف بالواو لا بلكن.
وهذا شأنه شأن"إما"التي ذكرها ابن آجروم وعدَّها في حروف العطف، إمَّا عدها عاطفة، حينئذٍ نقول:"إما"الصحيح أنها ليست حرف عطف؛ لأنها إذا جاءت ثانية -وهي المراد- إذا جاءت ثانية لا توجد إلا والواو سابقة لها: إما كذا وإما كذا، فحينئذٍ البحث ليس في الأولى، الأولى هي حرف تفصيل، مضمنة معنى الشرط، وإما الثانية هي المرادة .. هي التي فيها الخلاف: هل هي حرف عطف أم لا؟
هذه لا توجد إمَّا إلا وتسبقها الواو، فإذا كان كذلك، حينئذٍ يرد السؤال: هل حرف العطف يدخل على حرف عطف؟ الجواب: لا، إذا كان كذلك، فحينئذٍ يمتنع أن تكون إما هي العاطفة؛ لأن الواو باتفاق هي حرف عطف، حينئذٍ ما اختُلف فيه هو الذي يؤول، وأما المجمع عليه فهذا لا يؤول.
إذًا: قوله هنا: {أَنْ لاَ تَقْتَرِنَ بِالْوَاوِ} فإن اقترنت لكن بالواو حينئذٍ صارت الواو هي العاطفة وليست لكن، {نَحْوُ: مَا قَامَ زَيْدٌ لَكِنْ عَمْرٌو} ما قام هذا نفي، ما قام زيدٌ لكن. تقدم لكن حرف نفي .. ما قام، ثم لم تقترن بها الواو، ثم عمروٌ، ما بعد لكن مخالف في الحكم لما قبلها، ما قام زيدٌ لكن عمروٌ قائم، هذا التقدير، فحينئذٍ أثبت القيام لما بعد لكن وهو منفي عن سابقه.
{وَلاَ يَقُمْ زَيْدٌ لَكِنْ عَمْرٌو} لا يقم زيدٌ، النهي هنا منصب على زيد، لكن عمروٌ يعني: يقم عمروٌ.
وفُهم من الشرط الأول -أنها في نفي-: أنها لا تقع في الإيجاب، يعني جاء زيدٌ لكن عمروٌ هذا عند البصريين لا يصح، فعلى مذهب البصريين: أن النفي شرط في كون لكن عاطفة، وإذا لم يكن كذلك فحينئذٍ يمتنع، وأجازه الكوفيون نحو: أتاني زيدٌ لكن عمروٌ، ومذهب البصريين أدق هنا.
(وَقَبْلَ جُمْلَةٍ لِابْتِدَاءٍ) يعني: وتكون لكن (قَبْلَ جُمْلَةٍ لابْتِدَاءٍ) مثل حتى: حَتَى مَاءُ دِجْلَةَ أَشْكَلُ. حينئذٍ نقول: حتى ابتدائية، ما معنى ابتدائية؟ يعني: لا تعمل فيما بعدها، ليست كـ (( حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ ) ) [القدر:5] مطلع اسم مجرور بحتى؛ لأنها حرف جر، وما بعدها مفرد، وأما إذا دخلت على الجملة فحينئذٍ يكون ما بعدها مبتدأ، وحينئذٍ"حَتَى مَاءُ"نقول: هذا مبتدأ مرفوع بالابتداء، كيف مرفوع بالابتداء وحتى سابقة على المبتدأ؟ نقول: هذا حرف لا يؤثر، كما هو الشأن في:"بحسبك درهم"درهم هذا خبر، وحسبك هذا مبتدأ، دخلت عليه الباء، لماذا دخلت عليه الباء وهو مبتدأ والمبتدأ لا بد أن يكون مجردًا من العوامل؟ نقول: من العوامل التي تعمل، أما الزوائد وما لا يعمل فهذا لا يشترط خلو المبتدأ منه، ولذلك نقول: (( هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ ) ) [فاطر:3] خالقٍ هذا مبتدأ، كيف مبتدأ ودخلت عليه هل ولم تعمل -هذا اجتمع المثالان هنا في هذا المثال (( هَلْ مِنْ خَالِقٍ ) )-؟