فهرس الكتاب

الصفحة 309 من 1890

حينئذٍ إذا أشكل شيءٍ ما ولم نتمكن من ترجيح نرجع إلى مثل هذه القواعد، ولا نأتي نحكم على النص بأنه للتبعيض؛ لأن العرب قالت كذا ثم نهجر بقية النصوص، فمثلًا: (( وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ ) )قالوا: للتبعيض، طيب! هذا معنى لغوي، وسائر النصوص تدل على التعميم.

إذًا: لا نأتي إلى النص فنقول: الباء هنا للتبعيض؛ لأنها تأتي في لغة العرب للتبعيض؛ ثم نهجر بقية النصوص، نقول: لا. نجمع النصوص كلها على درجة واحدة، وكلها حق سواء كان بالقرآن أو السنة المتواترة أو الآحاد، ثم نفسر بعضها ببعض، فما تركب من العبادة هو ما دلت عليه النصوص.

ولا نجعل كما يجعل كثير من الفقهاء يجعلون في باب الصلاة أحاديث يقولون: هذا أصل في صفة الصلاة، ثم إذا جاء عارضه قال: هذا مقدم على كذا، نقول: لا، هذا ليس بصحيح، هذا غلط، لماذا؟ لأن هذا وحي وهذا وحي، هذا ناقل وهذا ناقل، إذا كان الحديث المعارض ضعيفًا حينئذٍ لا يُلتفت إليه، وأما إذا ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم فلا نقول: هذا عارض كذا، ليس بصحيح، وإنما نقول: هذا أثبت وهذا أثبت، إما أن يكون على وجه الدوام، وإما أن يكون هذا في حال دون حال، كما هو الشأن في كثير من المسائل الشرعية.

إذًا: التبعيض من معاني الباء.

قَالَ بِهِ الْكُوفِيُّونَ وَالأَصْمَعِيُّ وَالْفَارِسِيُّ وَابْنُ مَالِكٍ نَحْوُ قوله تعالى: (( عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ ) )أَيْ مِنْهَا.

وَخَرَّجَ بَعْضُهُمْ عَلَى ذَلِكَ قَوْلَه تَعَالَى: (( وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ ) )وَأَنْكَرَهُ ابْنُ جِنِّي وابن برهان، فقال: من قال إن الباء للتبعيض فقد أتى أهل العربية بما لا يعرفونه.

وأول ما استُدل به على التضمين أو أن التبعيض إنما استفيد من القرائن.

وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: إنَّهَا هُنَا تُفِيدُ فَائِدَةً غَيْرَ التَّبْعِيضِ، وَهُوَ الدَّلالَةُ عَلَى مَمْسُوحٍ بِهِ.

قَالَ: وَالأَصْلُ فِيهِ: امْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ الْمَاءَ. فَتَكُونُ مِنْ بَابِ الْقَلْبِ، وَالأَصْلُ: رُءُوسَكُمْ بِالْمَاءِ.

على كلٍ: هذا أو ذاك الآية هنا المراد بالباء للإلصاق، وجاءت السنة ببيان أن الرأس يعمم في الوضوء.

وحملُها سواء ثبت التبعيض أو لا، حملُ الآية على التبعيض ليس بسديد بل هو مخالف للنصوص المنقولة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

لكن الصواب أنها تأتي للتبعيض.

{إِذَا تَأْتِي لِمُفَاجَأَةٍ حَرْفًا} إذا، أي: من الحروف التي يبحث عن مدلولها الأصوليون والفقهاء إذا.

وتأتي لمعان.

قال: (لِمُفَاجَأَةٍ حَرْفًا) يعني: حال كونها حرفًا، بمعنى أنها إذا جاءت إذا. إذا قد تكون ظرفًا وقد تكون حرفًا، إذا جاءت لمفاجئة فهي حرف، فهي حرف على خلاف فيه.

قال: (حَرْفًا) هذا حال من مفاجأة.

(إِذَا لِمُفَاجَأَةٍ حَرْفًا) إذا حال كونها حرفًا لمفاجأة، يصح أن تكون من إذا، على أنها مبتدأ وما بعده متعلق بمحذوف خبر، وحرفًا حال من إلى، وهو مبتدأ على مذهب سيبويه، جواز مجيء الحال من المبتدأ.

وهو الأصح يعني: كونها حرفًا وبه قال الأخفش وابن مالك؛ لأن المفاجئة معنى من المعاني.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت