فهرس الكتاب

الصفحة 315 من 1890

{وَفِي قَوْلٍ لِزَمَنٍ مُسْتَقْبَلٍ مِثْلُ إِذَا} حينئذٍ"إذ"تأتي بمعنى: إذا، كما تأتي"إذا"بمعنى: إذ، يتناوبان، وهنا إذا جاءت إذ للمستقبل حينئذٍ وافقت إذا التي للاستقبال، فتوافقا من حيث المعنى، وهذا القول صَحَّحَهُ ابْنُ مَالِكٍ -رحمه الله تعالى- وَطَائِفَةٌ، ومثَّلوا له بقوله تعالى: (( فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ إذْ الأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ ) )وهذا إنما يكون متى؟ يوم القيامة، ويوم القيامة لم يقع فهو مستقبل، وأكد ذلك بماذا؟ (( فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ) )يعلمون هذا فعل مضارع، وهو محتمل في الأصل للحال، لكن أزال الحال وخلصه للاستقبال: سوف .. حرف التنفيس.

إذًا: يعلمون هذا مستقبل لفظًا ومعنى، لفظًا؛ لأنه فعل مضارع، ومعنى؛ لمجيء سوف، سوف تؤثر في المعنى لا في اللفظ، إنما يدل الفعل على أنه مضارع باللفظ، وحينئذٍ هو صالح على المشهور عند النحاة .. على قول الجمهور، وإلا الصحيح أن الفعل المضارع إنما يكون للحال .. حقيقة في الحال مجاز في الاستقبال، وهذا رجّحه السيوطي في جمع الجوامع وهو أحسن الأقوال، وخلافًا لقول الجمهور أنه حقيقة في النوعين: الحال والاستقبال.

على قول الجمهور:"يعلمون"هذا له زمنان: حال واستقبال، إذًا: من حيث الزمن .. من حيث المعنى هو ليس مستقبلًا؛ لأنه محتمل للنوعين، فإذا جاءت أو دخلت عليه السين أو سوف خلصته للمستقبل، فحينئذٍ صار من جهة المعنى، ومن جهة اللفظ هو مضارع.

إذًا:"يعلمون"هذا مستقبل لفظ ومعنى، والمعنى هنا لدخول سوف عليه.

{وَأَجَابَ الأَكْثَرُ عَنْ الآيَةِ وَنَحْوِهَا بِأَنَّ ذَلِكَ نَزَلَ مَنْزِلَةَ الْمَاضِي لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ} .

لأنها أخبار من الله متيقنة مقطوع بها عُبر عنها بلفظ الماضي (( إِذْ الأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ ) )يعني: في الزمن الماضي، لماذا عبّر الله تعالى عن المستقبل بالزمن الماضي؟ قالوا: لفائدة، وهي: ليدل على أن هذا المعنى متحقق كأنه مقطوع به، وهذا يستفيد منه المرء: أنه يؤمن بالغيب كما يؤمن بالمشاهد، يعني الشيء الذي يقع وصار في الزمن الماضي الإيمان به هذا لا إشكال فيه .. لا يلتبس على اثنين، ولا يلتبس على الشخص الواحد أبدًا؛ لأن ما وقع أنه مؤمن به بأنه وقع كيف وقع، لكن المستقبل هو الذي قد يتردد الإنسان في قبوله وقد يعتريه أو يطرأ عليه شيء من الشك.

فحينئذٍ قد يأتي بعبارة تدل على أنه واقع وهو لم يقع، لماذا؟ ليكن إيمانك بهذا الذي لم يقع كإيمانك بما وقع، ومن هنا عُبِّر في بعض المواضع وخاصة في الغيبيات (( وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ) ) [الكهف:99] وهو بعدما نفخ عبَّر بالفعل الماضي، قالوا: ليدل على أن النفخ محقق ويجب الإيمان به كما أنه قد وقع، ولذلك جيء بالفعل الماضي، هذا مثله: (( إذْ الأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ ) )هنا إنما جاء بالماضي ليدل على أنه محقق؛ لأنها أخبار من الله عز وجل فعبّر عنها بلفظ الماضي، وهذا إيراد ابن مالك.

مثلهُ قوله تعالى: (( أَتَى أَمْرُ اللَّهِ ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت