إذًا: هنا التالي الذي هو الجواب: ثابت، والقاعدة: لو حرف امتناع لامتناع.
قال:"لَوْ كَانَ لا يَخَافُ اللَّهَ مَا عَصَاهُ"إذًا: لو كان يخاف الله عصاه! لو قلنا بالترتيب الذي ذكرناه، لكن هذا ليس مراد فهو نقض للتعبير الذي ذكره النحاة.
قال هنا: {وَأُجِيبَ عَنْهُ: بِأَنَّ لاِنْتِفَاءِ الْمَعْصِيَةِ سَبَبَيْنِ: الْمَحَبَّةَ وَالْخَوْفَ. فَلَوْ انْتَفَى الْخَوْفُ لَمْ تُوجَدْ الْمَعْصِيَةُ لِوُجُودِ الآخَرِ، وَهُوَ الْمَحَبَّةُ} .
هذا القول الأول: أن"لو"من حيث المعنى حرف امتناع لامتناع.
القول الثاني وبه {قَالَ سِيبَوَيْهِ: إِنَّهَا حَرْفٌ لِمَا كَانَ سَيَقَعُ لِوُقُوعِ غَيْرِهِ} يعني للذي سيقع لوقوع غيره، بمعنى أنه ليس ثم تلازم بين المقدم والتالي.
{يَعْنِي أَنَّهَا تَقْتَضِي فِعْلًا مَاضِيًا كَانَ يُتَوَقَّعُ ثُبُوتُهُ لِثُبُوتِ غَيْرِهِ، وَالْمُتَوَقَّعُ غَيْرُ وَاقِعٍ} .
لكنه ليس بلازم يعني: هي قريبة من العبارة السابقة إلا أن فيها: أنه ليس ثم تلازم بين الامتناعين، وأنه قد يقع الثاني لامتناع الأول، يمتنع الأول الذي هو المقدم ويقع الثاني، فليس بينهما تلازم.
{فَكَأَنَّهُ قَالَ: حَرْفٌ يَقْتَضِي فِعْلًا امْتَنَعَ لامْتِنَاعِ مَا كَانَ ثَبَتَ لِثُبُوتِهِ} .
القول الثالث وبه قال الشلوبين {إِنَّهَا لِمُجَرَّدِ الرَّبْطِ} يعني: ربط الجواب بالشرط فقط، وليس بينهما دلالة على امتناع ولا على عدم امتناع.
{أَيْ إنَّمَا تَدُلُّ عَلَى التَّعْلِيقِ فِي الْمَاضِي كَمَا تَدُلُّ إِنْ عَلَى التَّعْلِيقِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَلا تَدُلُّ عَلَى امْتِنَاعِ شَرْطٍ وَلاَ جَوَابٍ} .
وهذا رد بأنه جحد للضروريات، يعني: ضُعِّف هذا القول بأنه جحد للضروريات؛ إذ كل من سمع لو فعل فهم عدم وقوع الفعل من غير تردد، لو كان كذا لكان كذا، علم أن الأول لم يقع من غير تردد، ولهذا جاز استدراكه فتقول: لو جاء زيد لأكرمته لكنه لم يجئ.
وعلى كلامهم .. أنها لمجرد الربط، لا تدل على شيء البتة، نقول: لا. تدل. تدل على أن الأول لم يقع، وهذا لا إشكال فيه، الكلام في الجواب: هل يلزم منه عند امنتاع الأول امتناعه أو قد يوجد؟ نقول: الثاني .. قد يوجد، وإنما التعبير في هذا المعنى هو الذي وقع فيه النزاع، وأما الأول فلا شك أنه لم يقع، وعلى كلام الشلوبين وغيره حينئذٍ لم يقع، حينئذٍ لم يتعرض له لا إثباتًا ولا نبيًا، والصواب أنه تُعرض له أنه منفي ولم يقع.
القول الرابع: {إنَّهَا حَرْفٌ يَقْتَضِي فِي الْمَاضِي امْتِنَاعَ مَا يَلِيهِ، وَاسْتِلْزَامَهُ لِتَالِيهِ} من غير تعرض لنفي التالي، فإنما الحكم يتعلق بالمقدَّم، يعني: الشرط.
{إِنَّهَا حَرْفٌ يَقْتَضِي فِي الْمَاضِي امْتِنَاعَ مَا يَلِيهِ} الذي هو ماذا؟ التالي.
{وَاسْتِلْزَامَهُ لِتَالِيهِ} يعني: يستلزمه، من حيث الوجود لا من حيث العدم.
"من غير تعرض لنفي التالي"أَيْ تَقْتَضِي أَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: امْتِنَاعُ مَا يَلِيهِ، وَهُوَ شَرْطُهُ.