(مَعْرِفَةُ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الْفَرْعِيَّةِ) مَعْرِفَةُ عبر بالمعرفة ولم يعبر بالعلم، بناءً على ما سيأتي بيانه أن ثَمَّ فرقًا بين العلم والمعرفة، وسيأتي تعريف المعرفة، ولكن عبر هنا بها دون العلم كما هو شأن كثير من الأصوليين؛ لأن الفقه من قبيل الظنون، وهذه قاعدة أصلَّها الرازي وتبعه كثير من الناس، قالوا: فالأنسب به المعرفة دون العلم، فإذا كان الأمر كذلك فحينئذٍ الأولى أن يعبر بالمعرفة دون العلم؛ لأن المعرفة تتعلق بالمظنونات، والعلم يتعلق بالقطعيات، وليس من الفقه شيء قطعي البتة، هذا الذي جرى عليه كثير من الأصوليين, وهو قول باطل مردود بالكتاب والسنة كما سيأتي إن شاء الله تعالى، لأن الفقه منه ما هو قطعي، ومنه ما هو ظني، وعليه: لا فرق بين النوعين، لكن الذي ذكره المصنف هو ما ذكرناه.
(مَعْرِفَةُ) هذا يشمل العلم والظن إذا أردنا أن نصحح؛ لأن الصحيح أنه لا فرق بين المعرفة والعلم، وما ذكره كثير من الأصوليين إنما هو اصطلاح فحسب، وإلا العلم يفسر بالمعرفة، والمعرفة تُفسر بالعلم، وأكثر أهل اللغة على ذلك، وأما التفريقات التي ذكرها الأصوليون إنما هي اصطلاحات خاصة.
وعليه؛ على الصحيح نقول: (مَعْرِفَةُ) هذا المراد به هنا مطلق الإدراك، مر معنا الإدراك ما هو؟ وصول النفس إلى المعنى بتمامه، مطلق الإدراك الشامل للأحكام القطعية والأحكام الظنية، هذا تصحيح لما ذكره المصنف رحمه الله تعالى.
وحمل الفقه على نوع دون آخر لا يصح، ليس عليه دليل واضح بيِّن بأن الفقه من قبيل المظنونات، وليس فيه شيء قطعي البتة.
قال: (مَعْرِفَةُ) والمعرفة هذا لفظ مطلق، أضافه إلى ما بعده بقوله: (الْأَحْكَامِ) معرفة: مضاف، والأحكام: مضاف إليه، والأحكام جمع حكم، والحكم له اصطلاحات مختلفة، يعني: تنوَّع اصطلاح أهل العلم لِلَفظ الحكم، فالمناطقة لهم اصطلاح والأصوليون لهم اصطلاح خاص بهم، وأهل اللغة لهم اصطلاح خاص بهم، فهذا فيه ثلاث إطلاقات.
يطلق الحكم ويراد به التصديق، أي: إدراك الوقوع أو عدم الوقوع، أي: إدراك النسبة واقعة أو ليست بواقعة، هذا اصطلاح من؟ المناطقة، إذًا: يطلق الحكم ويراد به إدراك الوقوع واللاوقوع، وهذا اصطلاح المناطقة، وقطعًا أنه ليس مرادًا هنا.
الاصطلاح الثاني: اصطلاح الأصوليين، وهو أن الحكم: خطاب الله تعالى المتعلق بفعل المكلف إلى آخره .. الآتي ذكره، وقطعًا هذا ليس مرادًا هنا. بقي ماذا؟ الاصطلاح الثالث وهو اصطلاح أهل اللغة: وهو أن الحكم المراد به: إسناد أمر لأمر آخر إيجابًا أو سلبًا. إسناد أمر يعني: إضافة .. إضافة أمر لأمر، كقولك: زيد قائم، هنا أسندت وأضفت، أضفت ماذا؟ قائم إلى زيد، قلت: زيد قائم، هذا إيجاب أو سلب؟ يعني إثبات أو نفي؟ هذا إثبات. زيد ليس بقائم أو ليس زيد قائمًا هذا سلب، يعني نفي، حينئذٍ الإسناد الذي هو الإضافة .. الإخبار عن المبتدأ بالخبر، أو إسناد الفعل إلى الفاعل أو نائبه هذا يسمى حكمًا عند أهل اللغة، هذا هو الذي يمكن أن يقال بأنه مراد هنا، وأما الأول والثاني فيمتنع.