فهرس الكتاب

الصفحة 336 من 1890

ولو كانت المناسبة شرطًا لما جاز؛ لأن الشيء الواحد لا يناسب الضدين مناسبة طبيعية.

قد يجاب كما ذكرنا بأن الاشتراك خلاف الأصل ويستثنى، وما ذكره المصنف من القول بإرادة الفاعل هذا إشارة إلى أننا إن قلنا: إن الواضع هو الله عز وجل فسبب التخصيص هو الإرادة المحضة، وإن كان العبد فسببه هو خطور ذلك المعنى بباله دون غيره، كتخصيص الأعلام بالأشخاص.

ويرد على هذا التعليل .. بأنها الإرادة: أن الوضع إذا قلنا على القول الراجح أنه توقيف صار فعلًا للباري جل وعلا، ومعلوم أن أفعال الباري جل وعلا لا تكون أفعالًا إلا وهي مقرونة بالحكمة، هذا الأصل فيه، يعني وضع شيء لشيء لا بد أن يكون لحكمة، كما هو الشأن في عينيك ورجليك ويديك، لماذا اختير هذا النوع؟ نقول: مجرد الإرادة أو لمناسبة؟ نفس المسألة، وضع العينين في موضعها والرجلين في موضعها، هل هو لمحض الإرادة أو لحكمة؟ لا شك أنه الثاني.

فإذا قلنا بأن اللغة بوضع الباري جل وعلا فالأصل أنها على القاعدة السابقة: أنها لحكمة.

إذًا: يرد على هذا أن الوضع هو فعل من أفعال الله تعالى، وفعله لحكمة فلا يمنع أن يكون ثم حكمة الله أعلم بها، قد يستنبطها العلماء النحاة وأهل اللغة بعقولهم وقد لا يهتدوا إليها، لكن لا مانع أن نقول بأن المناسبة بين اللفظ والمعنى.

هذا القول هو عليه جماهير الأصوليين .. من أنه ليس ثم مناسبة بين اللفظ ومعناه.

{وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ عَبَّادُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمُعْتَزِلِيُّ الصَّيْمَرِيُّ} وذهب إلى أن دلالة اللفظ على المعنى لمناسبة طبيعية وإلا لما كان اختصاص ذلك اللفظ أولى من غيره.

يعني: وُضع السماء للمعنى المعهود، والأرض للمعنى المعهود، لماذا خُص السماء بهذا اللفظ أو الأرض بهذا اللفظ؟ هل هو لحكمة أم لا؟ نقول: الأصل فيه أنه لحكمة.

واختُلف عنه حيث أثبتها، يعني: ما المراد بكون ثم مناسبة؟ اختُلف في التفسير، فقيل: أراد أن المناسبة حاملة للوضع، سواء كان الواضع هو الله أو غيره وهي قطعية، وهذا نقلُ الآمدي، وقيل: أراد أنها كافية في دلالة اللفظ على المعنى من غير افتقار إلى الوضع لما بينهما من المناسبة الطبيعية، وهو نقلُ صاحب المحصول؛ لأنهم اختلفوا في تفسير المراد بكلام عباد.

واحتُج له بأن المناسبة لو لم تعتبر لكان اختصاص اللفظ بذلك المعنى ترجيحًا من غير مرجِّح. ولو احتُّج له بما ذكرته سالفًا لكان أولى، لكنه معتزلي لا يثبت الحكمة، لكن عند السلفي يثبت الحكمة، حينئذٍ يأتي التعليل، أما هو فلا.

وأجيب عن المعنى الأول بأجوبة .. إلى آخر ما ذكروه في التعليل، لكن هذا المشهور عن عبّاد أنه أثبت المناسبة.

قال في شرح التحرير بعد حكاية قول عبّاد: وإليه ميل الشيخ شمس الدين ابن قيم الجوزية في كتبه كالهدي وغيره، يعني: ابن قيم رحمه الله تعالى في الهدي واضح يرى أنه ثم مناسبة بين اللفظ والمعنى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت