والظاهر من كلام عبّاد كما أورده في تشنيف المسامع: أنه أراد أن بين وضع الألفاظ ومعانيها تناسبًا من وجه ما لأجلها، يعني: لم يوضع كل لفظ بإزاء معنى لعبث لا لقصد، وإنما كل لفظ اختير إلى معنًى ما فثَم مناسبة بينهما. حقيقة هذا هو اللائق بكون اللغة قد وضعها الباري جل وعلا، الأصل أنها فعل وكل فعل مقرون بحكمة، حتى جعل هذه الحروف دالة على المعنى دون غيره، كما يقول المعللون للأحكام الشرعية: إن بين عللها وأحكامها مناسبات، وإن لم تكن موجبة لها.
قال الزركشي بعد حكاية هذا في البحر المحيط: وهذا الظاهر من كلامهم.
يعني: هذا الذي عناه وهو معتزلي، ولا مانع أن يقال بأن ما جاء به بعض المعتزلة أنه هو الصواب والحق.
ثم اعلم أن القاعدة العامة أنه تأتي ألفاظ لها معنيان أو أكثر، ولكن الأصل فيها معنى من المعاني، حينئذٍ المعنى الآخر يكون طارئًا، فإذا كان المعنى الآخر طارئًا وثَم معنى أصلي فحينئذٍ ما هو الذي يُقدم؟ الذي يقدم هو الأصل عند احتمال التعارض، فإن احتفت قرائن بإرادة غير ذلك اتُّبِع.
يعني: إذا دلت القرينة على أن المراد الطارئ اتُّبع، وإن لم يرد دليل رجعنا إلى الأصل، إذًا: القاعدة: كل لفظ احتمل معنيين أو أكثر هو في أحدهما أصل وفي الآخر فرع ننظر إلى القرائن والأدلة، إن جاءت قرائن تدل على أن الطارئ هو المعمول به فيُتبع إن لم يأت دليل أو قرينة رجعنا إلى الأصل.
وهذه ثم قواعد سيذكرها المصنف على جهة السرد، نسردها سردًا وهي قواعد، كل قاعدة لها إعمالها في باب الفقه.
ولذلك قال: (وَيَجِبُ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَى حَقِيقَتِهِ) يعني: دون مجاز.
فكل لفظ احتمل الحقيقة والمجاز ولا قرينة؛ لأنه لو وجد قرينة دلت على أنه مجاز حُمل عليه، لكن إذا لم تكن قرينة رجعنا إلى الأصل.
(وَيَجِبُ) هل الوجوب هنا الشرعي أو الاصطلاحي؟
الظاهر أنه الشرعي، لماذا؟ لأن هذه قواعد إنما دل عليه الدليل الشرعي، جميع أصول الفقه من حيث القواعد لا تثبت قاعدة إلا بدليل شرعي، فحينئذٍ نأتي إلى تطبيقها وإعمالها، فإذا كان كذلك لا يجوز العدول، ولذلك إذا حمل فقيه ما اللفظ على مجازه دون حقيقته ولا قرينة، يُردُّ عليه أو لا؟ يُردُّ عليه، مع كونه استدل بالكتاب والسنة، فدل على أن الوجوب هنا الظاهر والله أعلم المراد به الوجوب الشرعي، فلا يعدل عن هذه القواعد البتة، كما هو الشأن في: مطلق الأمر للوجوب، ومطلق النهي للتحريم، وإعمال اللفظ العام على جميع أفراده هو الأصل، ولو خرج عنه بدون استثناء .. بدون دليل أُنكر عليه، حينئذٍ يكون الأمر معلقًا بجهة الشرع.
(وَيَجِبُ حَمْلُ اللَّفْظِ) {إِذَا دَارَ بَيْنَ كَوْنِهِ حَقِيقَةً أَوْ مَجَازًا، مَعَ الاِحْتِمَالِ} يعني: دون قرينة (عَلَى حَقِيقَتِهِ) {كَالأَسَدِ مَثَلًا فَإِنَّهُ لِلْحَيَوَانِ الْمُفْتَرِسِ حَقِيقَةً وَلِلرَّجُلِ الشُّجَاعِ مَجَازًا، فَإِذَا أُطْلِقَ وَلا قَرِينَةَ كَانَ لِلْحَيَوَانِ الْمُفْتَرِسِ؛ لأَنَّ الأَصْلَ الْحَقِيقَةُ، وَالْمَجَازُ خِلافُ الأَصْلِ} .