فهرس الكتاب

الصفحة 349 من 1890

فالعقاب ترتُّبه على فعل القبيح مشروط بالسمع، وأنه إنما انتفى عند انتفاء السمع انتفاء المشروط لانتفاء شرطه لا لانتفاء سببه؛ فإن سببه قائم ومقتضيه موجود، إلا أنه لم يتم لتوقفه على شرطه، وعلى هذا فكونه متعلقًا للثواب والعقاب والمدح والذم عقليٌ، وإن كان وقوع ذلك موقوفًا على شرطه وهو ورود السمع.

إذًا: الحاصل من كلام ابن القيم رحمه الله تعالى: أن الحُسن والقُبح ثابت بالعقل، وأن الثواب والعقاب يتوقف على الشرع.

قال الزركشي في البحر المحيط: فَنُسَمِّيهِ قبل الشَّرْعِ حَسَنًا وَقَبِيحًا؛ لأن مرد الحكم في الحسن والقبح على العقل لا على الشرع، وَلَا يَتَرَتَّبُ عليه الثَّوَابُ وَالْعِقَابُ إلَّا بَعْدَ وُرُودِ الشَّرْعِ. هذا محل تحرير مختصر.

قال رحمه الله تعالى: وهو الْمَنْصُورُ لِقُوَّتِهِ من حَيْثُ النَّظَرُ وَآيَاتُ الْقُرْآنِ الْمَجِيدِ وَسَلَامَتُهُ من التَّنَاقُضِ.

فهاهنا أمران:

الأول: إدراك العقل حُسن الأشياء وقبحها، هذا أولًا. يُدرك العقل حُسن الأشياء وقبحها.

ثانيًا: أن ذلك كاف في الثواب والعقاب وإن لم يرد شرعٌ.

الأول حقٌ. والثاني باطل. إدراك العقل حُسن الأشياء وقبحها هذا حق.

أن ذلك كاف في الثواب والعقاب وإن لم يرد شرعٌ هذا باطل، ولا تلازم بين الأمرين.

يعني: لا يلزم من إثبات الحُسن والقبح عقلًا أنه يستلزم المدح والثواب، لا يلزم من ذلك. بدليل قوله: (( ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ ) )أي: بقبيح فعلهم، قال: (( وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ ) ) [الأنعام:131] قال: ظلم .. وأهلها غافلون.

أثبت الظلم قبل البعثة، (( وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ ) )أي: لم تأتهم الرسل والشرائع، دل ذلك على أن الأسماء تثبت ولو لم يرد شرع.

ومن هنا نقول: أن من وقع في الشرك الأكبر وقع عليه الاسم، فيسمى شركًا ويسمى مشركًا، هذا في الدنيا.

وأما ما يتعلق بالأحكام فدلت الشريعة كذلك على أنها تنزّل عليه مطلقًا، وأما في الآخرة فأمره إلى الله إذا كان ثَم ما يمنع بين وصول الحق إليه.

قال: ومثله قوله تعالى: (( وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ) )، يعني: من القبائح (( فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا ) ) [القصص:47] .

قال: فمحل النزاع في الحُسن والقبح بمعنى ترتب الثواب والعقاب، ذكره الزركشي في البحر، وعندنا لا مدخل للعقل في الثواب والعقاب، وإنما يُعلم بالسمع فيطلق الحُسن بمعنى الملائمة والمنافرة وهو عقلي في الأنواع الثلاثة كلها.

وبمعنى الكمال والنقصان وهو عقليٌ، وبمعنى استلزامه للثواب والعقاب وهو محل النزاع، والصواب: أنه لا تلازم بين الأمرين، فيدرك العقل الحُسن والقبح ولا يلزم من ذلك أن يكون مقتضيًا للثواب والعقاب.

قال رحمه الله تعالى -بعدما ذكر هذه المسألة ذكر مسألة من توابع المسألة التي قبلها- فقال: (وَلاَ يَرِدُ الشَّرْعُ بِمَا يُخَالِفُ مَا يُعْرَفُ بِبَدَاهَةِ الْعُقُولِ وَضَرُورِيَّاتِهَا) .

البداهة: الذي يُعلم بأدنى تأمل أنه مخالف للعقل، والضرورة: ما يقتضيه العقل على وجه الضرورة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت