لا يرد الشرع لا طلبًا ولا خبرًا مطلقًا بشيء يخالف ما يُعرف ببداهة العقول وضرورياتها.
يعني: كأنه يرد عليه في المسألة السابقة: أنه حكم بأن الحُسن والقبح في المسألة الأخيرة أنه شرعي لا عقلي، يعني: لا مدخل للعقل في الحكم بكون الشيء أنه حسن أو قبيح.
حينئذٍ هل يأمر الشرع بما يُعلم قبُحه عقلًا أو العكس؟
يعني: هل ينهى الشرع عما قد يدرك العقل بأنه حسن، أو يأمر بشيء ويكون قبيحًا من كل وجه. هل يرد؟
إن نفينا قد يرد، لكن قال: لا. يعني: لا يلزم من ذلك القول هذا القول.
(وَلاَ يَرِدُ الشَّرْعُ بِمَا يُخَالِفُ مَا يُعْرَفُ بِبَدَاهَةِ الْعُقُولِ وَضَرُورِيَّاتِهَا) ، يعني: مرده إلى الوقوع.
قال أبو الخطاب: وإلى هذا ذهب عامة أهل العلم من الفقهاء والمتكلمين.
{قَالَ الْقَاضِي وَالْحَلْوَانِيُّ وَغَيْرُهُمَا: مَا يُعْرَفُ بِبَدَاهَةِ الْعُقُولِ وَضَرُورِيَّاتِهَا - كَالتَّوْحِيدِ وَشُكْرِ الْمُنْعِمِ وَقُبْحِ الظُّلْمِ - لاَ يَجُوزُ أَنْ يَرِدَ الشَّرْعُ بِخِلاَفِهِ} .
يعني: ينهى عن التوحيد وشكر المنعم، ويأمر بالظلم، هذا لا يمكن أن يأتي في الشرع.
وَمَا يُعْرَفُ بِتَوْلِيدِ الْعَقْلِ اسْتِنْبَاطًا أَوْ اسْتِدْلاَلًا, فَلاَ يَمْتَنِعُ أَنْ يَرِدَ بِخِلاَفِهِ. وَمَعْنَاهُ لاِبِي الْخَطَّابِ. فَإِنَّهُ قَالَ: مَا ثَبَتَ بِالْعَقْلِ يَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ.
فَمَا كَانَ مِنْهُ وَاجِبًا لِعَيْنِهِ - كَشُكْرِ الْمُنْعِمِ وَالإنْصَافِ وَقُبْحِ الظُّلْمِ - فَلاَ يَصِحُّ أَنْ يَرِدَ الشَّرْعُ بِخِلاَفِ ذَلِكَ.
وَمَا كَانَ وَاجِبًا لِعِلَّةٍ أَوْ دَلِيلٍ مِثْلِ: الأَعْيَانِ الْمُنْتَفَعِ بِهَا الَّتِي فِيهَا الْخِلاَفُ. فَيَصِحُّ أَنْ يَرْتَفِعَ الدَّلِيلُ وَالْعِلَّةُ, فَيَرْتَفِعَ ذَلِكَ الْحُكْمُ. وَهَذَا غَيْرُ مُمْتَنِعٍ.
كَفُرُوعِ الدِّينِ كُلِّهَا. تَثْبُتُ بِأَدِلَّةٍ ثُمَّ تُنْسَخُ الأَدِلَّةُ فَيَرْتَفِعُ الْحُكْمُ.
وَقَالَ: وَقَدْ قِيلَ: إنَّ الشَّرْعَ يَرِدُ بِمَا لاَ يَقْتَضِيهِ الْعَقْلُ وهذا باطل، ولذلك الشرع قد يرد بما تحار فيه العقول لا بما تحيله العقول، يعني: بما تتحير فيه .. لا تدرك معناه، ومن هنا جاء قسم التعبدات في الشريعة، يعني: قد لا يدرك العقل .. بل لا يدرك، لماذا صلاة الفجر ركعتان، وصلاة الظهر أربعًا .. ؟ إلى آخره.
لماذا هذا ينقض الوضوء وهذا لا ينقض؟ لماذا هذا يفسد الصوم وهذا لا يفسد؟
حينئذٍ نقول: العقل لا يدرك هذه الأشياء؛ لأنها من قبيل التعبدات المحضة، وحينئذٍ إن كان الأمر كذلك نقول: العقل يأتي بما تحار فيه العقول لا بما تحيله العقول، يعني: تعتقد أنه من المحال، وهذا باطل لا يأتي به الشرع.
{وَقَدْ قِيلَ: إنَّ الشَّرْعَ يَرِدُ بِمَا لاَ يَقْتَضِيهِ الْعَقْلُ، إذَا كَانَ الْعَقْلُ لاَ يُحِيلُهُ كَتَكْلِيفِ مَا لاَ يُطَاقُ, وَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يُرِيدُ جَمِيعَ أَفْعَالِ الْعِبَادِ حَسَنِهَا وَقَبِيحِهَا} وهذا فيه نظر {وَيُعَاقِبُهُمْ عَلَى الْقَبِيحِ وَغَيْرِ ذَلِكَ} أما يريده فلا، إلا إذا كانت الإرادة عامة كونية، وأما الإرادة الشرعية فلا.