إذًا: العقل والشرع لا تنافي بينهما البتة، فلا يرد الشرع بما يخالف العقل، ولا يكون في العقل ما يخالف الشرع بل هما متوافقان، فالعقل الصريح لا يناقض ويخالف النقل الصحيح.
قال رحمه الله تعالى بعدما بيّن أن الحُسن، والمعاني الثلاث، منها ما هو متفق عليه ومنها ما هو مختلف فيه، أراد أن يبين معنى الحُسن والقبح.
قال: (وَالْحُسْنُ وَالْقُبْحُ شَرْعًا) يعني: كل منهما في معنى الشرع.
قال: (مَا أَمَرَ بِهِ) ، والقبح (مَا نَهَى عَنْهُ) .
إذًا: مرد الحُسن من حيث الحكم عليه بكونه حسنًا: ما أمر به الشرع، فليس للعقل فيه نصيب، وهذا كذلك تنزّل على كلام ابن القيم السابق رحمه الله تعالى.
فمرد الحُسن من حيث الحكم عليه على جهة التفصيل لا على جهة الإجمال، العقل يدرك الحُسن إجمالًا ولا يدركه تفصيلًا إلا إذا أمر به الشارع .. بيّن أن هذا الشيء مأمور به من جهة الشرع، فنحكم عليه بأنه حسنٌ، وإذا تعلق به النهي حكمنا عليه بأنه قبيح؛ لأنه لا يأمر إلا بما فيه مصلحة، ولا ينهى إلا عما فيه مفسدة.
قال: (مَا أَمَرَ بِهِ) ، يعني: {اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَهَذَا رَاجِعٌ لِلْحُسْنِ} .
فحينئذٍ: الحسَن ما أمر به الشارع. قال ابن حمدان: الحُسن شرعًا ما أمر الشارع به، فحينئذٍ شمل الواجب والمندوب.
إذا قلنا: (مَا أَمَرَ) فلا مأمور في الشرع إلا الواجب والمندوب، فحينئذٍ خرج المباح، المحرم والمكروه لا إشكال فيه، لكن بقي النزاع في المباح، فالمباح على هذا الحد بكون الحسن: ما أمر به الشارع، لا يوصف بكونه حسنًا.
قال الطوفي: وقيل الحسن: ما ورد الشرع بتعظيم فاعله والثناء عليه، والقبيح يقابله. وهذا تعريف سنيٌّ جمهوريٌّ. هكذا يقول: وهو يشمل الواجب والمستحب.
حينئذٍ ما أمر به الشارع يتعلق بالواجب والمستحب دون المباح.
وقيل في تعريف الحسَن: ما لم ينه عنه، شمل الواجب والمندوب كسابقه، وزاد عليه المباح. ما لم ينه عنه، والذي لم ينه عنه فهو حسن، وربنا لم ينه عن الواجب بل أمر به، ولم ينه عن المستحب بل أمر به، ولم ينه عن المباح بل خيّر بين فعله وتركه.
فحينئذٍ على هذا القول وتعريف الحسن: المباح يكون داخلًا في مفهوم الحسن.
قال البيضاوي: ما نُهي عنه شرعًا فقبيح، وإلا فحسن كالواجب والمندوب والمباح، وفعل غير المكلف.
فعل غير المكلف سيأتي نصه في كلام المصنف.
فحينئذٍ المباح هل فيه حُسن أم لا؟ إذا قلنا بأن المباح يدرك من جهة العقل فلا إشكال فيه .. أن المباح قد يدرك العقل بأنه حسن أو يترجح أنه قبيح، فعلى حسب ما يظهر من دلالة العقل.
وأما من جهة الشرع: فإن خُصَّ الحسن بما أمر الله تعالى به فلا شك أن المباح ليس داخلًا، وإن كان هو حكمًا شرعيًا وليس حكمًا تكليفيًا، وصححه السبكي الكبير وقال في جمع الجوامع: الحسن المأذون، فعندهم يشمل المباح لارتفاع شأنه بالإذن فيه.
قال في شرح التحرير: إناطة الحُسن بالإذن أخص من إناطته بعدم النهي. حتى أُدخل فيه غير المكلف كالصبي والساهي والبهيمة استطرادًا؛ لأنه إنما يُتكلم في الفعل المتعلق به الخطاب وهو فعل المكلّف.
إذًا: في حد الحسن قولان:
الأول: ما أمر به الشارع، فاختص بالواجب والمندوب وخرج المباح.