الثاني: ما لم يُنه عنه، يعني: في الشرع، فحينئذٍ زاد على الأول بإدراج المباح.
فالمباح محل نزاع: هل هو من الحسَن أم لا؟
أما من جهة العقل فلا شك أنه يدرك حسنه على ما مضى.
(وَمَا نَهَى عَنْهُ) هذا راجع إلى القبيح .. ما نهى الله تعالى عنه.
قال ابن حمدان وغيره: فيشمل الحرام، (وَمَا نَهَى عَنْهُ) دخل فيه الحرام قطعًا، لكن يبقى النزاع في ماذا؟ في أمرين:
الأول: المكروه.
والثاني: خلاف الأولى على قول الشافعية، وزيادته. هل هو داخل في القبيح أم لا؟
أما المحرم فهذا واضح.
قال: فيشمل الحرام، وظاهره أنه يشمل المكروه؛ لأن المكروه نهى عنه الشارع، فحينئذٍ يكون قبيحًا.
وظاهره أنه يشمل المكروه؛ لأن المكروه منهي عنه نهي تنزيه وهذا هو الصحيح، قاله في الشرح التحرير.
وأما خلاف الأولى فأدخله التاج السبكي في القبيح؛ لأنه منهي عنه وإن لم يكن مقصودًا؛ وذلك لأنه شبيه بالمكروه في كونه منهيًا عنه نهي تنزيه، وإن كان النهي غير مقصود، وخالف إمام الحرمين فقال: المكروه ليس حسنًا ولا قبيحًا، يعني: خص القبيح بالمحرم.
فإن القبيح ما يُذم عليه وهو لا يُذم عليه، والحسن ما يشرع الثناء عليه وهذا لا يشرع الثناء عليه، ووافقه السبكي الكبير والبرماوي والزركشي وغيرهم.
{قَالَ ابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ: إذَا أَمَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِفِعْلٍ، فَهُوَ حَسَنٌ بِالاتِّفَاقِ} إيجابًا كان أو ندبًا.
{وَإِذَا نَهَى عَنْ فِعْلٍ فَهُوَ قَبِيحٌ بِالاتِّفَاقِ} وشمل المحرم والمكروه، هذا الظاهر.
{وَلَكِنَّ حُسْنَهُ وَقُبْحَهُ إمَّا أَنْ يَنْشَأَ عَنْ نَفْسِ الْفِعْلِ وَالأَمْرِ وَالنَّهْيِ، كَمَا يُقَالُ، أَوْ يَنْشَأَ عَنْ تَعَلُّقِ الأَمْرِ وَالنَّهْيِ، أَوْ مِنْ الْمَجْمُوعِ} .
والثالث: هو المقرر وهو الصحيح: أنه ينشأ من المجموع، يعني: يدرك العقل حسنه وقبحه، ثم يرد الشرع إما آمرًا وإما ناهيًا، فبالمجموع أدركنا الحُسن والقبح، بناء على الصحيح، وأما على ما ذكره المصنف فلا.
قال: (وَعُرْفًا) .
يعني: {وَالْحَسَنُ عُرْفًا أَيْ: فِي عُرْفِ الشَّرْعِ} (مَا لِفَاعِلِهِ فِعْلُهُ) ، (وَعَكْسُهُ) {أَيْ وَالْقَبِيحُ فِي عُرْفِ الشَّرْعِ مَا لَيْسَ لِفَاعِلٍ أَنْ يَفْعَلَهُ} .
(مَا لِفَاعِلِهِ فِعْلُهُ) يعني: ما أُذن له أن يفعله، وهذا الشأن في ماذا؟ في الواجب والمندوب، وقد يقال بأن المباح كذلك؛ لأن المباح: ما لفاعله فعله، بمعنى أنه يجوز له أن يقدم عليه.
وإنما الجواز يتعلق بالإيجاب ويتعلق بالندب ويتعلق بالمباح، فكأنه يفرِّق المصنف هنا بين الحسن عرفًا وبين الحسن شرعًا.
فالحسن شرعًا اختص بالواجب والمندوب، فلا يشمل المباح، والحسن في العرف لما علّقه بما أُذن للفاعل أن يُقدم عليه دخل فيه المباح.
(وَعَكْسُهُ) {أي: وَالْقَبِيحُ فِي عُرْفِ الشَّرْعِ مَا لَيْسَ لِفَاعِلٍ أَنْ يَفْعَلَهُ} .
وحينئذٍ دخل فيه المحرم ودخل فيه المكروه.
قال رحمه الله تعالى: (وَلَا يُوصَفُ فِعْلُ غَيْرِ مُكَلَّفٍ بِحُسْنٍ وَلَا قُبْحٍ) .