يعني: كأن الحكم هنا متعلقٌ بالمكلّف، وأما غير المكلف كالصغير .. الصبي دون البلوغ، وكذلك المجنون. (وَلَا يُوصَفُ فِعْلُ غَيْرِ مُكَلَّفٍ بِحُسْنٍ وَلَا قُبْحٍ) . قطعوا به.
إن كان المراد العقلي فلا يُسلّم، إن كان المراد به العقلي فلا شك أن فعل الصغير قد يقال بأنه حسن، وقد يقال بأنه قبيح؛ ولذلك يُربى على فعل الحسن وعلى اجتناب القبيح، يقال له: افعل كذا لأنه حسن، فيفعله. إذًا: يوصف فعله بكونه حسنًا، وكذلك يقال: اترك كذا تربية له وتعليمًا، فإذا خالف فيقال أنه فعل القبيح.
إذًا: من جهة العقل والعرف لا شك أن فعل الصبي، وكذلك حتى المجنون يوصف بكونه حسنًا وبكونه قبيحًا، وأما الشرع من حيث الإيجاب والتحريم. فهذا مرده إلى السمع.
فما دام أن السمع - الشرع- قد رفع الحكم الشرعي -التكليف- عن الصبي، فحينئذٍ لا يثبت الحُسن من جهة كونه إيجابًا أو ندبًا وكذلك القبيح من جهة كونه تحريمًا أو كراهة إلا بدليل، ولا شك أن الصبي غير مكلّف حتى يبلغ .. حتى يكبر .. حتى يحتلم، وكذلك المجنون غير مكلّف.
لكن هل يوصف فعله بكونه حسنًا؟ نعم يوصف. وكذلك هل يوصف فعله بكونه قبيحًا؟ فالجواب: نعم.
فالعقل يدرك الحُسن والقبح مطلقًا دون تفصيل.
قال: وقطعوا به، يعني: بكونه ليس بحسن ولا قبيح.
قطعوا به، يعني: كأنه يحكي اتفاقًا، وليس الأمر كذلك؛ لأن فعل غير المكلف لا يتعلق به حكم.
يعني: كأن مرد الحُسن والقبح هنا إلى الشرع؛ لأن الأحكام إنما تتعلق بأفعال المكلفين.
قال في شرح التحرير: الصواب: أن فعل الممَيِّز شرعًا يكون منه حسنٌ وقبيح، فإن عبادته صحيحة وله ثوابها.
هذا من حيث الشرع، وأما من حيث ما يدركه العقل فيدركه مطلقًا حُسنًا وقُبحًا.
ويتفرع على هذه المسألة: (شُكْرُ الْمُنْعِمِ) ويذكرها الأصوليون في هذا الموضع على التنزُّل مع المعتزلة؛ لأنه لما بطل حكم العقل من حيث الإيجاب والتحريم كان شكر المنعم غير واجبٍ عقلًا، وإن كان العقل يدرك. يدرك حُسنه، لكن ليس بواجب لعدم ورود الشرع.
أي: ولو سلّمنا أن العقل حاكم كما زعمتم لكن لا يستقيم حكمه في هذه المسألة؛ وذلك لأنه لو وجب لوجب لفائدة إما للعبد وإما لله تعالى.
قال: (وَشُكْرُ الْمُنْعِمِ) وكلاهما منتفٍ: الأول والثاني.
(وَشُكْرُ الْمُنْعِمِ وَمَعْرِفَتُهُ تَعَالَى وَهِيَ أَوَّلُ وَاجِبٍ لِنَفْسِهِ وَاجِبَانِ شَرْعًا) ، يعني: لا عقلًا.
(وَشُكْرُ الْمُنْعِمِ) المنعم هو الله عز وجل، والمراد به: هو الثناء عليه تعالى لإنعامه بالخلق والرزق والصحة وغيرها.
وقال هنا: {وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ اسْتِعْمَالِ جَمِيعِ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ عَلَى الْعَبْدِ مِنْ الْقُوَى وَالأَعْضَاءِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ الْمُدْرِكَةِ وَالْمُحَرِّكَةِ فِيمَا خَلَقَهُ اللَّهُ تَعَالَى لأِجْلِهِ كَاسْتِعْمَالِ النَّظَرِ فِي مُشَاهَدَةِ مَصْنُوعَاتِهِ وَآثَارِ رَحْمَتِهِ, لِيُسْتَدَلَّ عَلَى صَانِعِهَا, وَكَذَا السَّمْعُ وَغَيْرُهُ} واجب على كلا الطريقتين.
يعني: واجبٌ .. واجبٌ، لكن هذا واجبٌ شرعًا، وهذا واجبٌ عقلًا.