فهرس الكتاب

الصفحة 354 من 1890

فمن قال بأنه لا حاكم إلا الله، يعني: ليس ثم مصدر للتشريع إلا الله، وهذا هو عقيدة أهل السنة والجماعة وهو عقيدة أهل الإسلام: أنه لا حاكم إلا الله، فلا يؤخذ الحكم إيجابًا وندبًا وتحريمًا وكراهة وإباحة إلا من جهة الشرع: الكتاب والسنة، وليس ثم مصدر إلا هذه الطرق.

وأن العقل لا يحسِّن ولا يقبِّح ولا يُوجب ولا يحرِّم، على ما مضى .. على كلام المصنف رحمه الله تعالى.

قال: وجب شكره شرعًا، من ذهب إلى هذا المذهب السابق قال: وجب شكره شرعًا، ومن قال بمذهب المعتزلة قال: وجب شكره عقلًا.

قال المجد: شكر المنعم واجب بالشرع في قولنا، وقول أهل الأثر والأشعرية، وقالت المعتزلة: يجب عقلًا.

إذًا: إذا بينا فيما سبق أن الإيجاب والتحريم إنما مرده إلى الشرع، فحينئذٍ لو أدرك العقل وجوب شكر المنعم نقول: هذا حسنٌ لكنه ليس بواجب؛ لانتفاء شرطه وهو البعثة، فإذا انتفت البعثة فحينئذٍ لا نحكم على الشيء بكونه واجبًا أو محرمًا حتى يرد الدليل.

قال: (وَمَعْرِفَتُهُ تَعَالَى) .

{وَهِيَ عِبَارَةٌ عَنْ مَعْرِفَةِ وُجُودِ ذَاتِهِ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ فِيمَا لَمْ يَزَلْ وَلاَ يَزَالُ دُونَ مَعْرِفَةِ حَقِيقَةِ ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ} ، يعني: كنه الذات .. كنه الصفات.

{لاِسْتِحَالَةِ ذَلِكَ عَقْلًا عِنْدَ الأَكْثَرِينَ} .

(وَمَعْرِفَتُهُ تَعَالَى) .

(وَهِيَ) أي: المعرفة (أَوَّلُ وَاجِبٍ لِنَفْسِهِ) .

لكن المعرفة السابقة قد تكون معرفة فطرية، وهي: ما يتفق فيه الجميع؛ بأن له ربًا وخالقًا، وأن هذا الرب موجود، لكن هذه المعرفة لا تكفي في الحكم على الشخص بكونه مسلمًا، فلا بد من معرفةٍ مُناطةٌ بالشرع وهي: كونه جل وعلا مألوهًا معبودًا مطاعًا، فتصرف له العبادة دون ما سواه، وهذه المعرفة لا شك أنها وجبة، وهي أول واجب على العبيد."فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله"، وأما معرفته من حيث وجوده وكونه متصفًا بصفات الكمال فهذا ليس هو أول الواجبات، وإنما أول الواجبات هو التوحيد.

أَوَّلُ وَاجِبٍ عَلَى الْعَبِيدِ ... مَعْرِفَةُ الرَّحْمَنِ بِالتَّوْحِيدِ

وهذا مر معنا فيما مضى.

(وَمَعْرِفَتُهُ تَعَالَى وَهِيَ أَوَّلُ وَاجِبٍ) إِذا فسّرنا المعرفة بأنها معرفة وجود ذاته، فالحكم عليها بأنها أول واجب ليس بصحيح، بل أول واجب هو أن يعرف التوحيد الذي خُلق من أجله (( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) ) [الذاريات:56] "يعني: إلا ليُوحِّدون"

(أَوَّلُ وَاجِبٍ لِنَفْسِهِ) ، يعني: لذاته {عَلَى الْمُكَلَّفِ بِالنَّظَرِ فِي الْوُجُودِ وَالْمَوْجُودِ}

وهذا فيه موافقة لمذهب الأشاعرة، وهذا ليس بجيد؛ لكونها مبدأ الواجبات، والذي عليه السلف وإجماعهم حاصل على ذلك: أن أول ما يؤمر به العبد الشهادتان، وهذا محل وفاق .. لا خلاف بين السلف في ذلك، والقول: بأن أول واجب هو النظر أو القصد أو الشك .. كلها أقوال لأرباب المذاهب المخالفة، يعني: أهل البدع، وهذا قول محدث وقول مبتدع.

وأما أول واجب على العبيد إنما هو التوحيد .. شهادة أن لا إله إلا الله.

والمعرفة بالمعنى المذكور عند المصنف هنا، هذه يستوي فيها إبليس وغيره .. لا فرق بينهما البتة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت