فهرس الكتاب

الصفحة 368 من 1890

{وَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْحُكْمَ صِفَةُ الْحَاكِمِ, فَنَحْوُ قولِه تَعالى: (( أَقِمْ الصَّلاَةَ ) )يُسَمَّى بِاعْتِبَارِ النَّظَرِ إلَى نَفْسِهِ الَّتِي هِيَ صِفَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى} أي: نفس القول {إيجَابًا, وَيُسَمَّى بِالنَّظَرِ إِلَى مَا تَعَلَّقَ بِهِ, وَهُوَ فِعْلُ مُكَلَّفٍ وُجُوبًا. فَهُمَا مُتَّحِدَانِ بِالذَّاتِ مُخْتَلِفَانِ بِالاِعْتِبَارِ} .

فالإيجاب والوجوب هما صفتان للشرع .. الخطاب نفسه، الخطاب نفسه هو الإيجاب، ومدلوله هو الوجوب، فمن نظر إلى كون الخطاب الشرعي صفة للباري جل وعلا على أنه حكم قال: إيجاب، يعني: لم ينظر إلى فعل مكلف، ومن نظر إلى أن هذا الخطاب متعلق بفعل المُكلف فمدلوله الوجوب، فهما مختلفان باللفظ يعني، متحدان بالذات، مختلفان بالاعتبار.

{فَتَرَى الْعُلَمَاءَ تَارَةً يُعَرِّفُونَ الإِيجَابَ, وَتَارَةً يُعَرِّفُونَ الْوُجُوبَ نَظَرًا إلَى الاِعْتِبَارَيْنِ} .

هذا ما ذكره المصنف رحمه الله تعالى فيما يتعلق بهذا الحد: ما هو الحكم الشرعي؟ هو

(مَدْلُولُ خِطَابِ الشَّرْعِ) وقوله على ما قاله الإمام أحمد رحمه الله تعالى، وهذا يناسب الحكم الشرعي عند الفقهاء؛ لأن عنايتهم باعتبار تعلق الخطاب بفعل المكلف؛ لأن بحث الفقيه إنما هو في أفعال العباد أو أفعال المكلفين.

وبحث الأصول في نفس الأدلة، وهو موضوع أصول الفقه: الأدلة الموصلة إلى الفقه، حينئذٍ ينظر إلى الدليل نفسه دون اعتبار فعل المكلف، فلما كان الفقيه ينظر إلى فعل المكلّف ولا بد أنه مرتبط بالشرع؛ لأنه لا حاكم إلا الله تعالى، فحينئذٍ نظر إلى مدلول الخطاب دون الخطاب، فلكل وجهة نظر إليها، ولكن تدقيق الأصوليين من حيث التأصيل هو آكد.

{وَقَالَ كَثِيرٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ} في تعريف الحكم الشرعي: إنه خطاب الشرع المتعلق بفعل المكلف، وهذا أصح وأدق .. أن يعرّف الحكم الشرعي بأنه خطاب الله أو خطاب الشرع المتعلق بفعل المكلف بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع. هذا على جهة الإتمام.

لكن الشارح هنا قال: {خِطَابُهُ الْمُتَعَلِّقُ بِفِعْلِ الْمُكَلَّفِ وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ الأَوَّلِ} يعني: لم يجعله عينه وإنما جعله قريبًا منه؛ لأن ذاك الأول مدلول هذا، إذًا: هما متحدان، لكن ذاك باعتبار وهذا باعتبار، هذا أصل وذاك فرع؛ لأن الخطاب أصلٌ .. كلام، ومدلوله فرع عنه، فأولًا يُثبَت الخطاب .. يُثبت الكلام .. يُثبت القول ثم يُنظر في مدلوله إذ هو فرع عنهم.

ولذلك قال: {قَرِيبٌ مِنْ الأَوَّلِ} ولم يقل هو عينه {إِلاَّ أَنَّ هَذَا أَصْرَحُ وَأَخَصُّ} .

(خِطَاب) هذا مصدر خاطَب يخاطب خطابًا، فهو جنس، لكنه قيده بالمضاف.

مصدر خاطب يخاطب خطابًا ومخاطبة.

قال: لكن المراد به -الخطاب .. خطاب الشرع- على المشهور عند الأصوليين: أن الخطاب هو توجيه الكلام، إذًا: هو فعل الفاعل، كما نقول: التكليم والتلفظ وفعل الفاعل.

وفرق بين فعل الفاعل وأثر فعله، حينئذٍ تقول: تكلَّمتُ كلامًا.

الكلام: هو المسموع وهو الأثر، وتكلمت: هو فعل الفاعل. فرق بينهما.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت