{وَبِاعْتِبَارِ الْمَفْعُولِ قَدْ يَكُونُ مُخَيَّرًا كَخِصَالِ الْكَفَّارَةِ, وَقَدْ يَكُونُ مُحَتَّمًا, كَالصَّلاَةِ، وَبِاعْتِبَارِ الْوَقْتِ الْمَفْعُولِ فِيهِ قَدْ يَكُونُ مُوَسَّعًا كَالصَّلاَةِ وَقَدْ يَكُونُ مُضَيَّقًا كَالصَّوْمِ} .
وحينئذٍ يرد السؤال: هل إذا ترك في أول الوقت إلى آخر الوقت .. يكون قد ترك الواجب، لكن هل تركُه لهذا الواجب يُذم عليه؟ الجواب: لا، إذا ترك أحد الخصال: الكفارة مثلًا إلى آخر، وقد ترك .. صدق عليه أنه ترك واجبًا، هل يُذم؟
الجواب: لا.
متى يُذم؟ إذا تركه مطلقًا بحيث خرج الوقت ولم يصلي، أو ترك الأنواع الثلاثة المخيّر فيها في الكفارة ولم يأت بواحد منها، وأما إذا ترك بعضها وتلبس بالبعض الآخر يصدق عليه أنه ترك واجبًا، لكنه جاء ببدل عنه. فحينئذٍ لا يتوجه إليه الذم إلا مطلقًا.
قال هنا: فَإِذَا تَرَكَ الصَّلاَةَ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا، صَدَقَ أَنَّهُ تَرَكَ وَاجِبًا؛ إِذْ الصَّلاَةُ تَجِبُ بِأَوَّلِ الْوَقْتِ، وَمَعَ ذَلِكَ لاَ يُذَمُّ عَلَيْهَا إذَا أَتَى بِهَا فِي أَثْنَاءِ الْوَقْتِ. وَيُذَمُّ إذَا أَخْرَجَهَا عَنْ جَمِيعِهِ.
إذًا: فيه تفصيل، ليس على جهة الإطلاق.
وَإِذَا تَرَكَ إحْدَى خِصَالِ الْكَفَّارَةِ, فَقَدْ تَرَكَ مَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ واجب، مع أنه لاَ ذِمٌ فِيهِ إذَا أَتَى بِغَيْرِهِ. وَإِذَا تَرَكَ صَلاَةَ جِنَازَةٍ فَقَدْ تَرَكَ مَا صَدَقَ عَلَيْهِ أَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَيْهِ, وَلاَ يُذَمُّ عَلَيْهِ إذَا فَعَلَهُ غَيْرُهُ. إذَا عُلِمَ ذَلِكَ فَأَحَدُ التَّقْريرَيْنِ أَنَّ قَوْلَهُ:"مُطْلَقًا"إما أن يكون عَائِدًا إلَى الذَّمِّ أو إلى الترك.
فإن كان عائدًا إلى الذم.
{وَذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ تَلَخَّصَ أَنَّ الذَّمَّ عَلَى الْوَاجِبِ الْمُوَسَّعِ وَعَلَى الْمُخَيَّرِ وَعَلَى الْكِفَايَةِ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ} يعني: ليس مطلقًا.
الذم على الواجب الموسع متى؟ إذا أخرج الصلاة عن جميع الوقت، وأما إذا أخَّره عن أول الوقت وأتى به في آخر الوقت فحينئذٍ لا ذم.
كذلك على الواجب المخيّر، يصدق عليه أنه إذا ترك الأول ترك واجبًا، لكن متى يُذم؟ إذا ترك جميع خصال الكفارة، وكذلك ما كان فرضًا على الكفاية، إذا تركه وفعله غيره صدق عليه أنه ترك واجبًا لكنه لا يُذم عليه، إذًا: يُذم عليه من وجه دون وجه.
وَالذَّمَّ عَلَى الْوَاجِبِ الْمُضَيَّقِ وَالْمُحَتَّمِ وَالْوَاجِبِ عَلَى الْعَيْنِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ.
فَلِذَلِكَ قَالَ (مُطْلَقًا) لِيَشْمَلَ ذَلِكَ كُلَّهُ بِشَرْطِهِ, وَلَوْ لَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ لَوَرَدَ عَلَيْهِ مَنْ تَرَكَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ.
فصدق عليه أنه ترك واجبًا، ولكنه على الصحيح أنه لا يُذم.
{وَالتَّقْرِيرُ الثَّانِي: أَنَّ"مُطْلَقًا"} ليسَ عائدًا إلى الذم وإنما هو عَائِدٌ إلَى التَّرْكِ, وَالتَّقْدِيرُ تَرْكًا مُطْلَقًا لِيَدْخُلَ الْمُخَيَّرُ وَالْمُوَسَّعُ وَفَرْضُ الْكِفَايَةِ.
فَإِنَّهُ إذَا تَرَكَ فَرْضَ الْكِفَايَةِ لاَ يَأْثَمُ مع كون غيره قد أتى به.