فهرس الكتاب

الصفحة 382 من 1890

ثَم واجب مات وهو تارك له وقد عُفي عنه، فحينئذٍ يكون ليس بواجب، عدل المصنف هنا عن قوله: ما يعاقب إلى قوله: (مَا ذُمَّ) .

ولذلك قال في الشرح: {خَيْرٌ مِنْ التَّعْبِيرِ بِلَفْظِ"مَا يُعَاقَبُ"لِجَوَازِ الْعَفْوِ عَنْ تَارِكِهِ} .

ونحن نرى أنه لا بأس بهذه العبارة: أنه ما يعاقب أو ما عوقب، لماذا؟

لأن النظر هنا في الأحكام الشرعية باعتبار ما دل عليه النص، وقد دلت النصوص على أن الأصل في الواجب أنه يعاقب، هذا حاله في الدنيا، فحينئذٍ نصف الواجب من حيث هو فنقول: هذا الواجب تركه يعاقب فاعله على تركه.

حينئذٍ كونه يُعفى عنه في الآخرة هذا ليس كلامنا فيه، نحن دائمًا نبحث في العلميات والتأصيلات هذه .. نبحث في أحوال الدنيا، فالأصل فيمن تلبس بترك واجب نقول: نخشى عليك من العقاب.

لكن كونه يعفى عنه بالفعل أولى، هذا ليس إلينا، لكن نحكم على الفعل بأنه في الأصل يعاقب، ثم قد يعفو عنه الباري جل وعلا أو لا، هذا ليس بحثنا فيه.

وعلى ذلك نقول: تصدير الواجب بأنه ما يعاقب لا إشكال فيه، ولا يرد عليه بأنه قد يُعفى عنه، نقول: يعفى عنه ليس في الدنيا وإنما هو الشأن في الآخرة، ثم نحن مكلفون بالأصول لا بما ينبني عليه من العفو.

إذًا: (مَا ذُمَّ) أو:"ما يُعاقب"لا إشكال في واحد منهما.

(شَرْعًا) أي: من جهة الشرع.

يعني: ما ورد ذمه في الشرع، وهو {كِتَابِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَوْ سُنَّةِ رَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم, أَوْ الإجْمَاع, وَلأِنَّ الذَّمَّ لاَ يَثْبُتُ إلاَّ بِالشَّرْعِ؛ احْتُرِزَ بِهِ عَنْ الْمَنْدُوبِ وَالْمَكْرُوهِ وَالْمُبَاحِ, لأَنَّه لاَ ذَمَّ فِيهَا} .

احترز بهذا القيد (مَا ذُمَّ شَرْعًا) عما لا يُذم عليه من جهة الشرع وهو المندوب والمكروه والمباح، وأما المحرم فهذا يُذم، لكنه يذم على ماذا؟ على فعله.

قال: {تَارِكُهُ. اُحْتُرِزَ بِهِ عَنْ الْحَرَامِ. فَإِنَّهُ لاَ يُذَمُّ إِلاَّ فَاعِلُهُ} .

قَوْلُهُ: (قَصْدًا) أراد به ماذا؟ أن التارك لا على سبيل القصد هل يُذم أو لا يُذم.

اشترط هنا أن يكون قصدًا، بمعنى أن التارك لا على سبيل القصد لا يذم، بمعنى أن من ترك الواجب سهوًا عنه، هل يُذم أو لا يُذم؟ لا يُذم.

حينئذٍ الواجب الذي يترتب عليه الذم قيده المصنف بكونه (قَصْدًا) .

الحال الثاني الذي أراد إخراجه: {أَنَّهُ احْتَرَزَ بِهِ عَمَّا إذَا مَضَى مِنْ الْوَقْتِ قَدْرُ فِعْلِ الصَّلاَةِ ثُمَّ تَرَكَهَا بِنَوْمٍ أَوْ نِسْيَانٍ, وَقَدْ تَمَكَّنَ. وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يُذَمَّ شَرْعًا تَارِكُهَا؛ لأَنَّه مَا تَرَكَهَا قَصْدًا} .

فحينئذٍ يتوجه الذم على بعض الواجب إذا كان تاركًا له قصدًا.

يتقرر من هذا: أن كلام المصنف .. أن الواجب فرعان:

واجب يذم على تركه، وواجب لا يذم على تركه، متى يذم على تركه؟ إذا تركه مع القصد، وأما إذا لم يتركه مع القصد هذا لا يُذم عليه البتة.

{مُطْلَقًا. هذا فِيهِ تَقْريرَانِ مَوْقُوفَانِ عَلَى مُقَدِّمَةٍ, وَهِيَ أَنَّ الإِيجَابَ بِاعْتِبَارِ الْفَاعِلِ قَدْ يَكُونُ عَلَى الْكِفَايَةِ وَعَلَى الْعَيْنِ} كما سيأتي التقسيم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت