قال هنا: لكن لو كان الواجب يتبعض، لو عجز عن جميعه سقط أو لا؟ سقط الواجب، لكن لو عجز عن بعضه وقدر على البعض الآخر، هل يبقى ما قدر عليه باقيًا في ذمته أو أنه لا يتبعض فيسقط بسقوط ما سقط؟
هذا محل نزاع عند الأصوليين، ولذلك قال: {لَكِنْ لَوْ سَقَطَ وُجُوبُ الْبَعْضِ الْمَعْجُوزِ عَنْهُ, هَلْ يَبْقَى وُجُوبُ الْبَاقِي الْمَقْدُورِ عَلَيْهِ. أَمْ لاَ؟} خلافٌ بين أهل العلم.
قاعدة المذهب عند الحنابلة تقتضي بقاء الوجوب للحديث الموافق لقوله تعالى: (( فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ) ) [التغابن:16] .
قوله صلى الله عليه وسلم:"إذا أمرتكم بأمرٍ"الأصل فيه: فأتوا به كله -جميعه- هذا الأصل فيه، لكن لو عجز قال ماذا؟"فأتوا منه ما استطعتم"،"منه"يعني: بعضه.
إن عجز عن الجميع واضح أنه يسقط، إن عجز عن بعضه دل النص على أنه يأتي به، وهذا هو الظاهر يعني: القاعدة التي ذكرها المصنف لها دليل واضح بيّن.
"فأتوا منه ما استطعتم"يعني: الذي استطعتموه فأتوا منه، وأما الذي لا تستطيعونه فهذا قد سقط عنكم.
فدل النص على أن المعجوز عنه يسقط، وأن المقدور له أنه يجب عليه الأصل أن يأتي به.
قال هنا: {وَقَدْ ذَكَرَ أَصْحَابُنَا أَنَّ مَنْ سَقَطَ عَنْهُ النُّطْقُ فِي الصَّلاةِ لِعُذْرٍ، لَمْ يَلْزَمْهُ تَحْرِيكُ لِسَانِهِ} . على مذهب ماذا؟ أنه يجب أن يُسمِع نفسه، يعني: يقرأ الفاتحة ويُسمع نفسه دون أذية من بجواره، حينئذٍ لو كان أخرسًا، عندنا شيئان: عندنا تحريك لسان، وعندنا صوت ناشئ عن اللسان.
فإذا كان أخرسًا حينئذٍ ما ينبني على تحريك اللسان لا وجود له .. سقط عنه، لكن يبقى تحريك اللسان، هل يلزمه أن يحرك لسانه أو لا؟
على القاعدة هذه يلزمه، حينئذٍ قالوا: {أَنَّ مَنْ سَقَطَ عَنْهُ النُّطْقُ فِي الصَّلاةِ لِعُذْرٍ، لَمْ يَلْزَمْهُ تَحْرِيكُ لِسَانِهِ} يعني: خلافًا لهذه القاعدة، لم يأخذوا بهذه القاعدة.
خِلاَفًا لِلْقَاضِي مِنْ أَصْحَابِنَا. وَأَكْثَرِ الشَّافِعِيَّةِ، لِوُجُوبِهِ ضَرُورَةً كَجُزْءٍ مِنْ اللَّيْلِ فِي الصَّوْمِ، وَشُرُوطِ الصَّلاةِ.
قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: وَيَتَوَجَّهُ الْخِلافُ.
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: يُسْتَحَبُّ فِي قَوْلِ مَنْ اسْتَحَبَّ غَسْلَ مَوْضِعِ الْقَطْعِ فِي الطَّهَارَةِ. وَكَذَا إمْرَارُ الْمُوسَى فِيمَنْ لا شَعْرَ لَهُ، وَرُدَّ.
قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي"عُمْدَةِ الأَدِلَّةِ": يُمِرُّ الْمُوسَى وَلاَ يَجِبُ. ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا وَشَيْخُنَا.
يعني: يجب عليه أن يُمر الموسى، لكن هذا حكى في الأوسط ابن المنذر فيه الإجماع، أنه يجب عليه أن يُمر، يعني: أصلع وجاء حج، كيف حينئذٍ يأتي بالواجب؟ قالوا: يُمر الموسى، إن ثبت الإجماع فهو مقدم، وإن لم يثبت الإجماع فالأصح: أنه لا يُمر الموسى؛ لأنه يعتبر من العبث، لكن إن صح الإجماع فهو العبرة.
على كلٍ: القاعدة صحيحة، لكن ينظر في كل موضع بحسبه وما يترتب عليه من الفائدة.