إذًا: مبنى المسألة هنا أنه اختلف في الحائض في رمضان والمريض والمسافر فيه، هل يصدق عليهم أن الصوم واجب عليهم في وقت العذر أم لا؟ من نفى الوجوب قال: لأنه حرام على الحائض وحرمته تنافي وجوبه عليهم.
حينئذٍ إذا قيل بأنه وجب على الحائض، كيف يجب ويحرم عليها الامتثال؟ يعني: لو قلتَ بأن الحائض في أيام شهر رمضان وجب عليها الصوم، كيف وجب عليها ويحرم عليها الامتثال؟ هذا متنافيان، فلا يجب عليها.
ولأنه جائز الترك للمريض والمسافر وجواز تركه ينافي وجوبه أيضًا؛ لأن الواجب ما هو؟ إلزام مقتضى الشارع، هذا الأصل فيه، ما طلب الشارع فعله طلبًا جازمًا، حينئذٍ لا يجوز له الترك، وإذا خيَّر المسافر بين الصوم وعدمه حينئذٍ خيَّره فيما يجوز له أن يتركه، فليس بواجب؛ لأن الواجب ليس جائز الترك، لكن هنا"ليس جائز الترك"لا يقال بأنه مطلقًا، هذا يأتي بحثه في المندوب.
ومن قال بصدق الوجوب عليهم قال: إنه يجب عليهم القضاء بقدر ما فاتهم، فكان المأتي به بدلًا من الفائت، والبدل واجب، فدل على أن الفائت واجب وإلا لم يكن بدلًا منه، والصواب أنه يقال: بأن انعقاد السبب لا يستلزم الوجوب، وإنما لا بد من الوجوب ماذا؟ وجود الشروط وانتفاء الموانع، يعني: لا يتحقق الوجوب في حق الحائض بمجرد انعقاد السبب، ما هو انعقاد السبب هنا؟ دخول الشهر، رؤية هلال رمضان .. انعقد السبب، لكن بقي عندنا أشياء أُخرى، وهي وجود شروط وانتفاء موانع، فإن تحقَّقت الشروط وانتفت الموانع تعلق الوجوب بالمكلف بعينه.
فإن تخلف شرط أو وجد مانع. تخلف شرط كالإقامة بالنسبة للمسافر، وعدم القدرة بالنسبة للمريض هذا تخلَّف شرط؛ لأن الاستطاعة لا بد منها، أو وجد مانع كالحائض. حينئذٍ لا يوصف الفعل باعتبار هؤلاء بأنه واجب وإن انعقد السبب، وهذا هو الصحيح واختيار ابن تيمية رحمه الله تعالى.
هنا قال ماذا؟
(وَالْقَضَاءُ: مَا فُعِلَ بَعْدَ وَقْتِ الْأَدَاءِ) على قول الجمهور.
يعني: بأن كلًا منها واجب.
(وَلَوْ) هذه للخلاف.
يعني: {وَلَو كَانَ التَّأْخِيرُ لِعُذْرٍ سَوَاءٌ} (تَمَكَّنَ مِنْهُ كَمُسَافِرٍ) {أَيْ مِنْ فِعْلِهِ فِي وَقْتِهِ} يعني: هذا العذر لا يمنع من الصوم مثلًا {كَمُسَافِرٍ يُفْطِرُ} (أَوْ لاَ) {أَيْ أَوْ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ الْفِعْلِ فِي وَقْتِهِ} (لِمَانِعٍ شَرْعِيٍّ كَحَيْضٍ أَوْ عَقْلِيٍّ، كَنَوْمٍ) كالنوم بالنسبة للصلاة، وأما المانع هنا الشرعي للحيض فهو يشمل الصوم والصلاة، لكن الصلاة لا تقضى، فحينئذٍ المثال بها فيه بعد.
إذًا: قوله: (وَلَوْ لِعُذْرٍ) هذا للإدخال أو للإخراج؟ أراد أن يدخل أو يخرج؟ أراد أن يدخل.
فحينئذٍ إذا صام المسافر بعد خروج الوقت على كلام المصنف يسمى قضاء حقيقة، وإذا صامت الحائض بعد خروج شهر رمضان يسمى قضاء حقيقة، وإذا استيقظ النائم بعد خروج وقت الصلاة وصلى يسمى قضاء حقيقة، هذا الذي أراد المصنف هنا رحمه الله تعالى بناءً على أن انعقاد السبب تعلَّق به الوجوب بالمكلف، ولو مع انتفاء الشرط أو وجود المانع، وهذا فيه نظر. والصواب: أنه لا يتعلق به.
(وَلَوْ لِعُذْرٍ) يعني: ولو كان التأخير لعذر.