الثاني: التفصيلية، لا بد أن يأتي يقول: الصلاة واجب لقوله تعالى: (( وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ ) ) [البقرة:43] فلا بد من دليل تفصيلي، (( وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى ) ) [الإسراء:32] الزنا محرم، لا بد من دليل تفصيلي.
وهذا الدليل التفصيلي كيف يستنبط منه الحكم الشرعي؟ لا بد من دليل إجمالي، فيقول: (( وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى ) ) [الإسراء:32] هذا نهي، هذه مقدمة صغرى، ومطلق النهي للتحريم، هذا دليل كلي إجمالي.
إذًا: (( وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى ) ) [الإسراء:32] الزنا حرام، هذه النتيجة، فمن أين أخذناه؟ نقول: مركب من دليل تفصيلي ودليل كلي، فتكون النتيجة حينئذٍ على ما مضى. فدليل الفقه مجموع أمرين: الإجمالية، والتفصيلية. هذان نوعان لا بد من الوقوف عليهما عند من أراد النظر في الدليل من حيث الاتباع.
والأول مندرج في الثاني، يعني الإجمالي مندرج في التفصيلي اندراج الكلي في جزئياته، فكل من علم الثاني علم الأول تقليدًا أو اجتهادًا، يعني: وقف على قوله: أقيموا الصلاة، فحينئذٍ قال: (أقيموا الصلاة) أمر، من أين يأخذ هذا؟ يأخذه من قاعدة لغوية، انظر! هنا جاءت اللغة، ولذلك مبنى أصول الفقه في الأكثر الأعم على قاعدة اللغة، يقول: أقيموا الصلاة أمر، من أين أخذه؟ من لغة العرب، أقم أقيموا .. إلى آخره، هذا دليل تفصيلي.
ومطلق الأمر للوجوب هذا دليل إجمالي، الوقوف على الدليل التفصيلي قد يكون بالاجتهاد، وقد يكون بالتقليد، كذلك النظر في القاعدة الكبرى كل أمر للوجوب يعتريه الاجتهاد ويعتريه التقليد، فقد يكون هو -يعني: الفقيه- أصوليًا بمعنى عرف أن هذه القاعدة مبناها على دليل كذا وكذا، حينئذٍ يكون قد أخذ القاعدة بدليلها .. يكون مجتهدًا، وقد يأخذها على تقليد يقال له: كل أمر للوجوب، ولا يدري كيف ثبتت هذه القاعدة، حينئذٍ يكون مقلدًا، فالنظر في القاعدة الكبرى قد يكون على جهة الاجتهاد وقد يكون على جهة التقليد ولا يحصل الفقه إلا بعلمهما، يعني الأدلة التفصيلية والأدلة الإجمالية، والأصول في الأول فقط وهو الأدلة الإجمالية.
هذا المشهور عند كثير من الأصوليين، الشرح كله كما هو ثابت لا إشكال فيه، وإنما الكلام في أخذ الأدلة الإجمالية قيدًا في تعريف أصول الفقه من حيث كونه لقبًا.
والمصنف هنا عدل عن المشهور وهو التعبير بالأدلة إلى القواعد المعرفة بها غير واحد .. أدلة الفقه الإجمالية؛ لأن الأدلة الإجمالية هي موضوع أصول الفقه، فموضوع ذا: الأدلة الموصلة إلى الفقه.
إذًا: الأدلة الإجمالية هي موضوع أصول الفقه، وموضوع أصول الفقه غير أصول الفقه، فالعلم بالأدلة غير الأدلة، وهذا النظر فيه يكون من هذه الجهة، فلذلك عدل المصنف عما اشتهر على ألسنة الأصوليين؛ لأن الأدلة الإجمالية هي موضوع أصول الفقه، وموضوع العلم غير العلم نفسه؛ لأن العلم -كما قال التفتزاني:- عبارة عن جميع ما يبحث فيه عن الأعراض الذاتية للموضوع الأمر و .. إلى آخره.