فحقيقة أي علم: بيان أحوال الموضوع نفسه، وعلى هذا فلا يصح أن تؤخذ الأدلة في حد أصول الفقه؛ إذ العلم ليس الأدلة بل أعراض وأحوال هذه الأدلة فأخذها بالحد لا يستقيم، ولذلك عدل المصنف عن هذه الجزئية لبيان أن ثم تعارضًا بين الأمرين، فإذا أُخذ الموضوع بأنه الأدلة الإجمالية حينئذٍ يتعذر أن يؤخذ ذلك في حد أصول الفقه.
ماذا أجاب الجمهور؟
أجابوا بجوابين: الأول: قالوا: بأن أدلة الفقه الإجمالية هنا على حذف مضاف، يعني مجاز .. فيه مجاز بالحذف، يعني: مسائل أدلة الفقه الإجمالية، وهذا ضعيف، لماذا؟ لأن الأصل هو الحقيقة دون المجاز، ثانيًا: أين القرينة الدالة على هذا المحذوف، قاعدة العرب أنه لا يجوز حذف مضاف وإقامة المضاف إليه مقامه إلا إذا دل الدليل على المحذوف، وهنا أين الدليل؟ أدلة الفقه الإجمالية، هذا أدلة الفقه كان مضافًا إليه، والأصل: مسائل أدلة الفقه يعني: أحوال وأعراض أدلة الفقه، أين الدليل؟ لا دليل، فإذا كان كذلك فحينئذٍ لا يجوز ارتكاب هذا المجاز في الحدود.
الأمر الثاني: قالوا: الأدلة هنا بمعنى القواعد، قلنا: سلمنا، ما دام أنها بمعنى القواعد، إذًا لماذا نعبر بالأدلة ونجعلها بمعنى القواعد، فنأتي مباشرة فنقول: أصول الفقه هو القواعد، فالثاني هو المرجح من حيث التعليل.
وهذا التعريف الذي عناه المصنف هنا هو في الأصل لابن الحاجب رحمه الله تعالى في مختصره، وزاد: العلم، فقال: (العلم بالقواعد التي يتوصل بها إلى استنباط الأحكام الشرعية الفرعية من أدلتها التفصيلية) ، أضاف العلم إلى القواعد، اختاره ابن مفلح في الأصل الذي اختصره التحرير ثم اختصر المختصر الفتوحي وأسقط لفظ العلم، لماذا؟ لأن العلم هو القواعد، وليس العلم هو العلم بالقواعد، العلم هو القواعد ذاتها نفسها سواء علمها الناس أم لا، فالعلم ثابت في نفسه تعلَّق به علم الناس أم لا، ولو فسرنا الأصول هنا بأنه علم بالقواعد حينئذٍ إذا لم يوجد عالم لانتفى أصول الفقه، وهذا باطل؛ لأن العلم هو القواعد لا العلم بها ولا معرفتها؛ إذ العلم والمعرفة بأصول الفقه غير أصول الفقه فلا يكون داخلًا في ماهيته، وما ليس داخلًا في الماهية لا يكون جنسًا في حده، فالعلم بالقواعد غير القواعد، والعلم بالأدلة غير الأدلة.
قال الإسنوي: ولو كان هو معرفة الأدلة لكان يلزم من فقدان العارف بأصول الفقه فقدان أصول الفقه وليس كذلك، لو عرّفنا أصول الفقه بأنه العلم لانتكس الناس وما تعلموا أصول الفقه، انشغلوا بدنياهم، خرج أصول الفقه عن الوجود، لا يوجد أصول فقه، لماذا؟ لانتفاء العلم بالقواعد وهذا باطل.
لذلك قال ابن حمدان: هي أدلته الكلية التي تفيده بالنظر على وجه كلي، وقال في شرح التحرير واختاره هنا من أن أصول الفقه: القواعد نفسها لا العلم بها، وهو الصحيح .. إلى آخر كلامه.