إذًا أصول الفقه: (الْقَوَاعِدُ الَّتِي يُتَوَصَّلُ) التوصل: هو قصد الوصول إلى المطلوب بواسطة فهو كالتوسل، هكذا قال الشارح، التوصل: أي التي يتحقق بها الوصول إلى استنباط الأحكام الشرعية، والباء هنا سببية، يتوصل بها يعني: بسببها، فتكون وسيلة، القواعد هذه وسائل وليست مقصودة لذاتها، كالسكين بالنسبة للقطع فهو وسيلة.
{وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ"إلَى اسْتِنْبَاطِ الأَحْكَام"عَنْ الْقَوَاعِدِ الَّتِي يُتَوَصَّلُ بِهَا إلَى اسْتِنْبَاطِ غَيْرِ الأَحْكَامِ} الشرعية {مِنْ الصَّنَائِعِ} لهم قواعد خاصة بهم {وَالْعِلْمِ بِالْهَيْئَاتِ وَالصِّفَاتِ} كل العلوم الدنيوية والعقلية لها قواعد خاصة بها، يستنبط بواسطة هذه القواعد أحكام تتعلق بذلك الفن، وليست داخلة معنا؛ لأن الثمرة هنا في باب قواعد أصول الفقه هو الأحكام الشرعية، فأي قاعدة لا تثمر الحكم الشرعي فليست من قواعد أصول الفقه.
{مِنْ الصَّنَائِعِ وَالْعِلْمِ بِالْهَيْئَاتِ وَالصِّفَاتِ} أو غيرها من القواعد، والمراد من التوصل القريب لا البعيد، فخرجت قواعد اللغة، قواعد اللغة هذه موصلة إلى الحكم الشرعي لكن بواسطة لا مباشرة، والمراد هنا المباشرة. فقواعد اللغة نتوصل بها إلى معرفة الألفاظ وكيفية دلالتها على معانيها الوضعية، وبواسطة ذلك نتوصل إلى استنباط الأحكام من أدلتها كالكتاب والسنة.
قال هنا: {وَبِالشَّرْعِيَّةِ} يعني: خرج بهذا القيد واحترز به عن الاصطلاحية، الشرعية عرفنا أن المراد بها المنسوبة إلى الشرع، يعني التي مصدرها الشرع، فكل ما لم يكن من الشرع ليس من الشرع، ولذلك الدين هو الوحي، وكل ما لم يكن من الوحي ليس من الدين، قاعدة جيدة: كل ما كان من الوحي فهو من الدين، وكل ما لم يكن من الوحي: الكتاب أو السنة أو إجماع أو قياس صحيح، فحينئذٍ ليس من الدين في شيء.
{وَبِالشَّرْعِيَّةِ عَنْ الاِصْطِلاَحِيَّةِ وَالْعَقْلِيَّةِ، كَقَوَاعِدِ عِلْمِ الْحِسَابِ وَالْهَنْدَسَةِ, وَبِالْفَرْعِيَّةِ .. } عبرنا بالعملية فيما سبق وعرفنا لماذا عدل المصنف عن ذلك {عَنْ الأَحْكَامِ الَّتِي تَكُونُ مِنْ جِنْسِ الأُصُولِ} يعني الاعتقادية، فليست داخلة هنا، وإنما عنوا في أصول الفقه ما يتعلق بالفقه، وإلا الأصل في أصول الفقه: أنه يتوصل به إلى استنباط الأحكام الشرعية مطلقًا سواء كان في باب العقائد أو كان في باب العمليات الذي يسمى بالفقه -الفروع-، وإذا كان الأمر كذلك فأصول الفقه هذا اللقب جرى عند الأصوليين وغيرهم من باب الغلبة فقط، وإلا الأصل: أصول الفقه: هو قواعد الشرع أو أصول الشرع، يحتاجه المفسر ويحتاجه الفقيه ويحتاجه المحدث ويحتاجه العقدي، لا بد من الأحكام الشرعية التي تسند إلى هذه العلوم لا بد لها من قواعد، وقواعد التشريع إنما هي قواعد أصول الفقه، هذا يكون من باب الغلبة فحسب.
كَمَعْرِفَةِ وُجُوبِ التَّوْحِيدِ مِنْ أَمْرِهِ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ صلى الله عليه وسلم فِي قَولِهِ تَعَالَى: (( فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ ) ) [محمد:19] }.