فهرس الكتاب

الصفحة 44 من 1890

إذًا: هذا الذي عناه المصنف رحمه الله تعالى، فمعنى أصول الفقه حينئذٍ: هو القواعد الكلية -جمع قاعدة كما عرفنا- نحو: (كل أمرٍ للوجوب) هذه القاعدة يتوصل بها المجتهد الذي بلغ درجة الاجتهاد. ليس العامي ولا ربع المجتهد ولا نصف المجتهد، وإنما المجتهد بشرطه في بابه، فالذي يستنبط وينظر في الأدلة، ويقول: ترجَّح عندي ونحو ذلك، إنما يكون من كان أهلًا للاجتهاد، وأما العوام وأشباه العوام فهذا لا يحل له أبدًا أن يتكلم في شرع الله، وإنما يكون مقلدًا شاء أم أبى .. رضي أم لم يرضى، وإنما من تحقق فيه الاجتهاد بالشروط ذاتها في موضعها فحينئذٍ نقول: هذا هو الذي يجوز له أن يُقدم على أن ينظر في الكتاب والسنة، ويقول: دل الدليل على كذا ولم يدل على كذا، وأما العوام وأشباه العوام فلا يحل لهم البتة.

إذًا: (كل أمر للوجوب) يتوصل بها المجتهد إلى التعرف على الأحكام الشرعية الفرعية كوجوب الصلاة من الأدلة التفصيلية لقوله تعالى: (( وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ ) ) [البقرة:43] ، هذه القواعد من أين جاءت؟

تقول: هذه توصل إليها علماء الأصول عن طريق الاستقراء التام؛ لأنها دليل شرعي، هي دليل شرعي، ولذلك فسر من قال بأن أصول الفقه: هو الأدلة الإجمالية قال: القواعد، فسرها بالقواعد، فكل قاعدة لا تصح أن تكون قاعدة في أصول الفقه إلا إذا كانت معتمدة على دليل شرعي صحيح، بل ذهب بعضهم إلى أنه لا يمكن أن تكون قاعدة إلا إذا كانت قطعية، وأما القاعدة الظنية فليست من أصول الفقه في شيء، وهذا فيه شيء من النظر، بل قد تكون القاعدة ظنية وقد تكون قطعية.

حينئذٍ نظر العلماء -علماء الأصول- في دلائل الكتاب والسنة من طريق الاستقراء التام مما ورد في الأدلة الإجمالية فتوصلوا إلى هذه القواعد: (النهي يفيد التحريم) و (مطلق الأمر للوجوب) ويندرج تحتها جزئيات كثيرة كـ: وجوب الصلاة ووجوب الصوم ونحوها، وكتحريم الخمر والزنا .. وغير ذلك.

وظيفة الفقيه: أنه يأخذ هذه القاعدة الأصولية وينزلها على الأدلة التفصيلية، يعني يأخذها إما اجتهادًا وإما تقليدًا، انتبه لهذ المأخذ! يعني من يأخذ أصول الفقه إما أن يأخذه اجتهادًا بأن يدرس أصول الفقه ويتعلمه حتى يكون مجتهدًا فيه، فحينئذٍ يكون قوله كقول الأصوليين، وإما أن يأخذه على جهة التقليد، وحينئذٍ لا ينفك عن التقليد ولو انفك عن المذاهب.

الآن يقال: متحرر عن المذاهب يعني: متبع وليس بمقلد، هو ينظر في الأقوال: أبو حنيفة ومالك .. إلى آخره، ويأخذ قول منها ويظن أنه قد رجح بدليل وأنه مجتهد! لا، بقي مسألة وهي مهمة وهي: القاعدة التي طبقتها على هذا النص هل أخذتها اجتهادًا أم تقليدًا؟ إن كنت مقلدًا فأنت مقلد شئت أم أبيت، أخذتها اجتهادًا فأنت مجتهد، فلا بد أن يكون النظر في الاجتهاد في المسألتين، وهذا يحتاج إلى عمر حتى تضبط أصول الفقه ثم تنظر في المسائل.

وظيفة الفقيه أن يأخذ هذه القواعد إما اجتهادًا أو تقليدًا، ويطبقها على الجزئيات، فيجعل هذه القواعد كُبريات الدلائل التفصيلية مثل أن يقال: (الزنا محرم) هذه نتيجة لقوله تعالى: (( وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى ) ) [الإسراء:32] فإنه نهي وهذه مقدمة صغرى، والنهي للتحريم وهذه مقدمة كبرى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت