فهرس الكتاب

الصفحة 413 من 1890

ثم شرع في بيان بعض الأحكام المتعلقة بالواجب الموسَّع، ثَمَّ خلاف بين الأصوليين في وجوده، والصواب: أنه موجود، خلافًا لمن أنكره من المعتزلة ونحوهم، والجمهور على أنه موجود، يعني: يوجد له مثال في الشرع، وكما ذكرنا أن الغالب في الشريعة إنما هو من الواجب الموسَّع، ويكفي فيه الصلوات الخمس؛ فإنها من الواجب الموسَّع؛ لأنها تزيد الأوقات على فعل الصلاة.

(فَالْمُوَسَّعُ) قال: (فَيَتَعَلَّقُ بِجَمِيعِهِ مُوَسَّعًا أَدَاءً) .

(فَيَتَعَلَّقُ) {الْوُجُوبُ} (بِجَمِيعِهِ) {يعني: بجَمِيعِ الْوَقْتِ} (مُوَسَّعًا أَدَاءً) {عِنْدَ أَصْحَابِنَا وَالْمَالِكِيَّةِ} ونقله الرازي عن أكثر الشافعية، وهو قول الجمهور على أن جميع الوقت وقت لأدائه، إذا قيل بأن الوقت يكون أوسع من قدر الفعل فحينئذٍ هل الوقت كله زمن للأداء بحيث إذا أوقع الفعل في أي وقت من أجزاء الوقت يكون أداءً أم لا؟ الحق الذي عليه الجمهور: أنه متى ما أوقع العبادة في أي جزء من أجزاء الوقت الموسَّع حينئذٍ يكون أداءً.

والواجب الموسَّع أثبته الأكثرون، بمعنى: أن جميع وقته وقت لأدائه، فأيُّ جزء أوقعه فيه وقع عن الواجب، أي جزء في أثناء الوقت أوقع فيه الفعل حينئذٍ أوقعه عن الجواب.

ثم اختُلِف في هذا القول عند من قال به: أنه إذا أخرها عن أول الوقت، إذا لم يأت بالعبادة في أول الوقت هل يجب عليه العزم أم لا؟ ثَمَّ قولان عند أهل العلم، واختار المصنف هنا أنه يجب، ولذلك قال: (وَيَجِبُ الْعَزْمُ إِذَا أُخِّرَ) ، يجب العزم على ماذا؟ على بدل الفعل أوَّل الوقت، وحينئذٍ إذا كان الواجب الموسَّع يجوز له أن يوقع العبادة في أي جزء من أجزاء الوقت، والأصل فيه أن يوقعها في أوله، وحينئذٍ إذا أخَّر إلى أثناء الوقت -أوسطه أو آخره- هل يجب عليه أن يأتي ببدل عن هذا الواجب، أم أنه يؤخره ما دام أنه أُذِنَ له في التأخير دون إيجاب عزم؟

المصنف رحمه الله تعالى وهو المذهب: أنه يجب عليه العزم، والأصح أنه لا يجب؛ لأن الأصل عدم الإيجاب، والإيجاب حينئذٍ يكون بلا دليل.

قال هنا: وعلى هذا القول قال أكثر أصحابنا والمالكية، ونقله الرازي عن أكثر الشافعية: يجب العزم، العزم على ماذا؟ {عَلَى بَدَلِ الْفِعْلِ أَوَّلَ الْوَقْتِ} لأنه إذا كان واجبًا بأول الوقت فحينئذٍ وجب إيقاع الفعل في أول الوقت، هذا هو الأصل، لكن يجوز له التأخير؛ لأنه واجب موسَّع، وإذا كان كذلك حينئذٍ هل له أو يجب عليه أن يأتي ببدل عن إيقاع الواجب في أول الوقت؟ قلنا: محل نزاع، والصواب أنه لا يجب. والعزم المراد به: إرادة الفعل.

قال: (وَيَجِبُ الْعَزْمُ إِذَا أُخِّرَ) .

قال: (وَيَتَعَيَّنُ آخِرَهُ وَيَسْتَقِرُّ وُجُوبٌ بِأَوَّلِهِ) .

(وَيَتَعَيَّنُ) يعني: إذا بقي من الوقت قدر الفعل في آخره، له أن يؤخِّر إلى أن يبقى من آخر الوقت قدر الفعل، وحينئذٍ ينتقل من الواجب الموسَّع إلى الواجب المضيَّق .. انتقل من الواجب الموسَّع إلى الواجب المضيَّق، قلنا: الواجب المضيَّق ما هو؟ أن يتساوى الزمن والفعل، له أن يؤخِّر إلى آخر أجزاء الوقت، لكن ما مقدار هذا الجزء الأخير؟ أن يسع وقت العبادة، وحينئذٍ يكون مساويًا للزمن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت