إذًا الحاصل: أن التعلق هنا .. الوجوب بأول الوقت أو بأثنائه أو بآخره، نقول: الصواب أنه بأوله، ولكن على الشرط السابق: بأن استقرار الوجوب وثبوته في حق المكلَّف إنما يكون بالتمكن من فعل العبادة، وأما بمقدار لحظة ونحوها فهذا لا يتعلق به حكم البتة.
ثم قال: {وَلَنَا عَلَى المذهب الأَوَّلِ قَوْله تَعَالَى: (( أَقِمْ الصَّلاةَ ) )الآيَةَ، قُيِّدَ بِجَمِيعِ وَقْتِهَا؛ لأَنَّ جِبْرِيلَ أَمَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوَّلَ الْوَقْتِ وَآخِرَهُ} هذا وقتها وهذا وقتها، فجاء النص ما بين هذين الوقت وقت للصلاة.
{وَقَالَ لَهُ: الْوَقْتُ مَا بَيْنَهُمَا. وَلأَنَّهُ لَوْ تَعَيَّنَ لِلْفِعْلِ جُزْءٌ مِنْ الْوَقْتِ لَمْ يَصِحَّ الْفِعْلُ قَبْلَهُ، وَيَكُونُ الْفِعْلُ بَعْدَهُ قَضَاءً. فَيَعْصِي بِتَأْخِيرِهِ عَنْهُ، وَهُوَ خِلافُ الإِجْمَاعِ} .
والقول السابق: بأنه يكون بأوله فإن أخره فهو قضاء؛ هذا مخالف للإجماع. ولأن وجوب العزم والتخيير بينه وبين الفعل وتعيين الوقت تحكم لا دليل عليه.
إذًا: الصواب هو ما قدمه المصنف رحمه الله تعالى: بأن الواجب الموسَّع يتعلق الوجوب بأوله ويستقر بذلك، لكن بشرط التمكن من الفعل.
(وَمَنْ أَخَّرَ مَعَ ظَنِّ مَانِعٍ كَعَدَمِ الْبَقَاءِ أَثِمَ، ثُمَّ إنْ بَقِيَ فَفَعَلَهَا فِي وَقْتِهَا فَأَدَاءٌ) .
هذه من مسائل الواجب الموسَّع، إذا علم بأن الفعل في الوقت الموسَّع يسعه جميع الوقت فمتى ما أوقع العبادة في أولها -أول الوقت- أو في أثنائه أو في آخره؛ حينئذٍ أتى بما عليه، وكل فعل تعلق بأول الوقت أو بأثنائه أو بآخره فهو أداء على ما ذكرناه، حينئذٍ إذا ظن المانع .. علم أنه لو أخر العبادة .. يجوز له التأخير؟ نعم يجوز له التأخير، لكن لو ظن أن ثَمَّ مانعًا سيقع أو يحصل له بعد مرور زمن العبادة، هل يجوز له أن يؤخر أم لا؟ قال: لا، (وَمَنْ أَخَّرَ مَعَ ظَنِّ مَانِعٍ) منه، يعني: من الفعل، (كَعَدَمِ الْبَقَاءِ) يعني: ظن المكلَّف أنه يموت، حُكِمَ عليه بالقصاص الساعة الثانية ظهرًا، وحينئذٍ نقول: الوقت عنده منذ دخول الوقت إلى الساعة الثانية، هذا الواجب الموسَّع عنده، وحينئذٍ ظن أنه لن يبقى بعد الساعة الثانية وهو باقي من الوقت ساعة ونصف، هل يجوز له أن يؤخر؟ الجواب: لا، فإن أخر أثم، لماذا؟ لأنه أخر إلى آخر الوقت باعتباره هو .. باعتبار ظنه، (وَمَنْ أَخَّرَ مَعَ ظَنِّ مَانِعٍ كَعَدَمِ الْبَقَاءِ) {بِأَنْ ظَنَّ المكلَّف أَنَّهُ يَمُوتُ قَبْلَ أَنْ يَبْقَى مِنْ الْوَقْتِ زَمَنٌ يَتَّسِعُ لِلْفِعْلِ فِيهِ} فظن أنه لا يعيش إلى آخر الوقت، فضيَّق عليه الوقت، صار واجبًا مضيَّقًا، فلو قيل له: بعد عشر دقائق تموت .. تُقتل، إذًا: الوقت في حقه عشر دقائق فقط، ما يسع الوضوء والصلاة فحسب، فإن أخر أثم؛ لأنه أخرج الصلاة عن وقتها، وهو كذلك.