والحرام لغة: المنع، قال تعالى: (( وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ ) )أي: منعناه منهن.
وأما في الاصطلاح الأصولي فهو: (مَا ذُمَّ فَاعِلُهُ، وَلَوْ قَوْلًا، وَعَمَلَ قَلْبٍ شَرْعًا) .
(مَا ذُمَّ) عرفنا المراد بأن الذم يكون من جهة الشارع، فخرج بالذم: المكروه فلا ذم فيه، وخرج بالذم: المندوب فلا ذم فيه، وخرج بالذم: المباح، فثلاثة أحكام خرجت بقوله: (مَا ذُمَّ) .
وقوله: (مَا) هنا يصدق على قول أو فعل، يعني: فعلُ مكلف .. تعلق به الحكم الشرعي، إذ لا ذم في هذه المذكورات الثلاث.
(مَا ذُمَّ فَاعِلُهُ) خرج: الواجب؛ لأن الواجب: ما ذُمَّ تاركه لا فاعله، أليس كذلك؟ إذًا: (مَا ذُمَّ فَاعِلُهُ) (فَاعِلُهُ) خرج به: الواجب؛ {فَإِنَّهُ يُذَمُّ تَارِكُهُ، وَالْمُرَادُ: مَا مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَذُمَّ عَلَى فِعْلِهِ. وَدَخَلَ بِقَوْلِهِ} : (وَلَوْ قَوْلًا) {الْغِيبَةُ وَالنَّمِيمَةُ وَنَحْوُهُمَا مِمَّا يَحْرُمُ التَّلَفُّظُ بِهِ} كالسب واللعن ونحوه.
{وَدَخَلَ بِقَوْلِهِ} : (وَلَوْ عَمَلَ قَلْبٍ) {النِّفَاقُ وَالْحِقْدُ وَنَحْوُهُمَا} .
إذًا: فيه تعميم، وإلا دخل في قوله: (مَا) قلنا: (مَا) تصدق على فعل المكلَّف، حينئذٍ فعل المكلَّف مر معنا أنه بالعرف يصدق على الاعتقاد وعلى الأقوال وعلى الجوارح، إذًا: لماذا قال المصنف: (، وَلَوْ قَوْلًا، وَعَمَلَ قَلْبٍ) وهي داخلة في قوله: (مَا) ؟
قال في شرح التحرير: أنه ذكره من باب التأكيد فحسب، وإلا لو قال: ما ذُمَّ فاعله شرعًا لكفى، ودخل في قوله: (مَا) ما كان قولًا وعمل قلب، وإنما نص على هذين النوعين من باب التأكيد فحسب.
{وَلَفْظَةُ} (شَرْعًا) {مُتَعَلِّقَةٌ بِـ} (ذُمَّ) ، {وَفِيهِ إِشَارَةٌ إلَى أَنَّ الذَّمَّ لاَ يَكُونُ إِلاَّ مِنْ الشَّرْعِ} يعني: العقل لا يحكم بالذم كما مر معنا. وكثير من الأصوليين لم يذكروا: (وَلَوْ قَوْلًا، وَعَمَلَ قَلْبٍ) اكتفاءً بقوله: (فَاعِلُهُ) أو: (مَا ذُمَّ) لأن المراد بالفعل ما يصدر عن المكلَّف، فيعم الأقوال والأفعال وعمل القلب، وإنما نص عليه للإيضاح.
قال في شرح التحرير: ويرِد على الحد فعل المباح؛ لأنه يلزم منه ترك واجب. يعني: لو تلبس بالمباح وأدى ذلك إلى ترك الواجب صار مذمومًا أو لا؟ الوسائل لها أحكام المقاصد، فلو تلبس بمباح أدى إلى ترك واجب، صار المباح مذمومًا أو لا؟ صار المباح مذمومًا ولا شك؛ لأنه صار حرامًا، كل مباح يتلبس به فيترتب عليه ترك واجب حينئذٍ صار مذمومًا.
قال: يرد على الحد فعل المباح؛ لأنه يلزم منه ترك واجب. إذا تلبس به وتعيَّن وترك الواجب لزم من ذلك، وإلا ليس كل تلبس بمباح يترتب عليه ترك الواجب.
وأنه يُذمُّ فاعله لكن لا من جهة فعله، يعني: لا لذاته، وإنما لكونه وسيلة إلى ترك الواجب. والحد إنما يتعلق بماذا؟ بالأصل، وهو المباح من حيث هو، وحينئذٍ لا اعتراض، بل لما لزمه من ترك الواجب ولو زِيد في الحد: بوجه ما أو من حيث فعله، سلم من الإيراد.