{وَهُوَ مَذْهَبُ الأَئِمَّةِ مِنْ أَرْبَابِ الْمَذَاهِبِ وَغَيْرِهِمْ. فَإِنَّ السُّجُودَ نَوْعٌ مِنْ الأَفْعَالِ ذُو أَشْخَاصٍ كَثِيرَةٍ، فَيَجُوزُ أَنْ يَنْقَسِمَ إِلَى وَاجِبٍ وَحَرَامٍ، فَيَكُونَ بَعْضُ أَفْرَادِهِ وَاجِبًا، كَالسُّجُودِ لِلَّهِ تَعَالَى، وَبَعْضُهَا حَرَامٌ، كَالسُّجُودِ لِلصَّنَمِ} .
إنما يُعبّر بالحرام هنا .. وإن كان له وصفٌ شرعي، مثل هذه لا نعبّر بالتحريم، وإنما جاء في الشرع التعبير بالشرك والكفر، هذا الأصل فيه، لكن لما كان المقام هنا ذكر المحرم فيما يقابل الواجب عبّر بالتحريم؛ لأن التحريم لا يستلزم الكفر، قد يكون حرامًا ولا يكفر، لكن هنا لا، المراد به أنه كفر أكبر، حينئذٍ يستلزم التحريم، وأما العكس فلا.
وإنما عبّر بذلك هنا لموافقة الفصل فحسب، وإلا الأصل في مثل هذه المواضع أن يُعبّر عنها بأنها شرك أكبر، شركٌ أصغر، من الإيمان، من الإسلام .. ونحو ذلك، ولا يعبّر بالجنس الأعم وهو التحريم.
قال: {وَبَعْضُهَا حَرَامٌ، كَالسُّجُودِ لِلصَّنَمِ وَلاَ امْتِنَاعَ مِنْ ذَلِكَ} .
لا امتناع عقلًا ولا شرعًا، بل هو واقع في الشرع، قال: (( لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ ) ) [فصلت:37] هو واحد أم لا؟ الفعل واحد، قال: (( لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ ) )ثم قال: (( وَاسْجُدُوا لِلَّهِ ) ) [فصلت:37] .
إذًا: أمر ونهى، نهى عن السجود الذي هو عبادة أن يُصرف لغير الله تعالى، وأمر أن يكون هذا السجود لله وحده دون ما سواه.
{قَالَ الْمَجْدُ فِي الْمُسَوَّدَةِ: السُّجُودُ بَيْنَ يَدَيْ الصَّنَمِ مَعَ قَصْدِ التَّقَرُّبِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مُحَرَّمٌ عَلَى مَذَاهِبِ عُلَمَاءِ الشَّرِيعَةِ} .
وهنا فيه تفصيل، ولا يطلق القول هكذا وإنما يقال: السجود بين يدي الصنم سواء قصد القربى إلى الله تعالى أو لا فهو كفر أكبر مخرج من الملة.
وقيل عن أبي هاشم من المعتزلة: إنه لا يرى تحريم السجود وإنما المحرم القصد، لماذا؟ لأن السجود طاعة لله تعالى، ولا يمكن أن يُوصف السجود بكونه محرمًا لكونه وصف بالوجوب أو بالطاعة.
حينئذٍ المحكّ أو الذي يرتبط به الحكم الشرعي هو القصد، فأينما سجد فهو طاعة، لكنه إن قصد التقرب إلى الله تعالى ولو كان لصنمٍ فليس بشرك ولا بمحرم فضلًا عن أن يكون شركًا، وإن كان قصد به التقرب إلى الله تعالى فهو الطاعة.
إذًا المحك أو المحل الذي يُنزّل عليه الحكم عنده هو القصد، ولذلك قال: لا يرى تحريم السجود، يعني: السجود لا يمكن أن يوصف بتحريم البتة، لماذا؟ لأنه وقع واجبًا، وإذا وقع واجبًا امتنع أن يوصف بكونه حرامًا.
إذًا: كيف نقول: لا تسجدوا للشمس واسجدوا لله؟
قال: العبرة هنا بالقصد، فإذا قصد غير الله تعالى صار حرامًا، فالقصد هو الحرام، وأما السجود نفسه فلا يوصف بكونه حرامًا، وهذا باطل لمصادمة النص الذي ذكرناه.
إنه لا يرى تحريم السجود وإنما المحرم القصد، قال الجويني: ولم أره له وإنما مذهبه: أنَّ السُّجُودَ لا تَخْتَلِفُ صِفَتُهُ، وَإِنَّمَا الْمَحْظُورُ الْقَصْدُ. هو عينه .. هو المعنى السابق لا فرق بينهما.