فالجزاء مطلقًا ولا يختص بجزاء الخير بالخير، بل يُطلق الثواب أيضًا على جزاء الشر بالشر في اللغة، ومنه قوله تعالى: (( هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ) ) [المطففين:36] ثوّب الكفار .. ثواب، ومنه قوله تعالى: (( قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ ) ) [المائدة:60] إلى آخر الآية.
فدل على أن الثواب لا يختص بجزاء الخير على الخير، بل يعم الشر على الشر.
لكن المراد هنا ماذا؟ جزاء الخير بالخير.
{مَا أُثِيبَ فَاعِلُهُ كَالسُّنَنِ الرَّوَاتِبِ} فخرج بقيد الثواب: الحرام؛ لأن الحرام: ما عوقب تاركه، والمكروه كذلك خرج؛ لأنه لا يثاب فاعل المتروك على الصحيح. لا يثاب فاعل المكروه، وخلاف الأولى على قولٍ، والمباح. المباح لذاته لا ثواب فيه، وأما إذا كان وسيلة لغيره فشأنه شأن المقاصد؛ لأن للوسائل أحكام المقاصد، فإذا كان المباح وسيلة إلى الواجب فهو واجب، وإن كان وسيلة إلى مندوب فهو مندوب، فيثاب على الطرفين، سواء كان واجبًا أو مندوبًا.
إذًا: (مَا أُثِيبَ فَاعِلُهُ) خرج الحرام والمكروه والمباح، فالحرام والمكروه لا ثواب في الفعل، بل العقاب في الأول ودون الثاني، والمباح كذلك لا ثواب فيه.
قال: (وَلَوْ قَوْلًا وَعَمَلَ قَلْبٍ) قلنا التنصيص هنا من باب الإيضاح والتأكيد، وإلا القول .. قول اللسان وعمل القلب داخلان في قوله: (مَا أُثِيبَ فَاعِلُهُ) ، (مَا أُثِيبَ فَاعِلُهُ) ما معناه؟
فعل مكلف أثيب فاعله، فحينئذٍ فعل مكلف بالمعنى العرفي: ما يشمل الاعتقاد والنيات والأقوال وأعمال الجوارح.
فالتنصيص من المصنف: {وَلَوْ كَانَ قَوْلًا} ولو قولًا، قولًا هذا خبر كان محذوفة مع اسمها.
وَيَحْذِفُونَهَا وَيُبْقُونَ الْخَبَرْ ... وَبَعْدَ إِنْ وَلَوْ كَثِيرًا ذَا اشْتَهَرْ
(وَلَوْ) كان فعل المكلَّف (قَوْلًا) {كَأَذْكَارِ الْحَجِّ} .
(وَعَمَلَ قَلْبٍ) يعني: وَلَوْ كَانَ عَمَلَ قَلْبٍ كَالْخُشُوعِ فِي الصَّلاةِ.
وَيَخْرُجُ بِقَوْلِهِ: (وَلَمْ يُعَاقَبْ تَارِكُهُ) هذا تميم للحد، خرج به ماذا؟
الواجبُ المعَين فإنه يعاقب تاركه.
{الْوَاجِبُ الْمُعَيَّنُ، كَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَصَوْمِ رَمَضَانَ} .
(مُطْلَقًا) خرج به الواجب المخيّر؛ لأنه مر معنا بأن الواجب المخير هو جائز الترك لا مطلقًا، بمعنى أنه خُيِّر بين ثلاثة أمور، جاز له أن يترك الأول لكن لا مطلقًا، بقيد: أن يأتي بالثاني، وجاز له أن يترك الثاني لكن لا مطلقًا وإنما بقيد: أن يأتي بالثالث.
إذًا يجوز له الترك لكن لا مطلقًا.
{مُطْلَقًا: الْوَاجِبُ الْمُخَيَّرُ، كَخِصَالِ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ. وَفَرْضُ الْكِفَايَةِ} كذلك يجوز له الترك بشرط: أن يظن أن غيره قد قام به {كَصَلاةِ الْجِنَازَةِ} .
إذًا: هذا هو حد المندوب في اصطلاح الأصوليين.
قال: (وَيُسَمَّى) الْمَنْدُوبُ (سُنَّةً وَمُسْتَحَبًّا وَتَطَوُّعًا وَطَاعَةً وَنَفْلًا وَقُرْبَةً وَمُرَغَّبًا فِيهِ وَإِحْسَانًا) .