يعني: له أن يشرع وله أن يترك، هو مخير بين الإقدام وبين الإحجام، لكن لو تلبس بالفعل هل يلزمه الإتمام فينقلب الندب في حقه واجبًا، فيتعين أن يلزمه القضاء أم لا؟ هذه مسألة فيها نزاع، والصواب ما قدمه المصنف: أنه لا يلزم المندوب بشروع، يعني: هو مخيّرٌ قبل أن يشرع، ثم هو كذلك مخير بعد أن يشرع، مخيّر أن يصوم أو لا يصوم، غدًا يصوم أو لا يصوم؟ هو مخير، فله أن يقدم.
ثم إذا شرع في الصوم هل يجب عليه أن يستمر أو هو كذلك مخير في إتمامه وفي قطعه؟ هو كذلك مخيّر في إتمامه وفي قطعه.
قال: {وَلاَ يَلْزَمُ الْمَنْدُوبُ بِشُرُوعٍ بَلْ هُوَ مُخَيَّرٌ فِيهِ بَيْنَ إتْمَامِهِ وَقَطْعِهِ} .
فمن تلبس بنفل من صلاة أو صوم فله قطعه بالعذر وبغيره، يعني: يجوز أن يقطع الصلاة لكن ليست بواجبة إنما هي النفل، يجوز قطع الصلاة سواء كان لعذر أو لغير عذر، وهل يجب عليه القضاء؟ لا يجب عليه القضاء البتة، ونعم هو يستحب له الإتمام، لكن الكلام في: هل يلزمه أو لا يلزمه.
{بَلْ هُوَ مُخَيَّرٌ فِيهِ بَيْنَ إتْمَامِهِ وَقَطْعِهِ} ما الدليل على ذلك؟
أولًا قال: {وَذَلِكَ: لأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ} .
يعني: يشرع في الصوم ثم يفطر.
{وَأَمَّا قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: (( وَلاَ تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ ) )فَيُحْمَلُ عَلَى التَّنْزِيهِ} أو تُقيد: لا تبطلوا أعمالكم بماذا؟ إنما تبطل الأعمال بالموت أو الردة، أو يحمل على التنزيه.
جَمْعًا بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ.
هَذَا إنْ لَمْ يُفَسَّرْ بُطْلانُهَا بِالرِّدَّةِ، بِدَلِيلِ الآيَةِ الَّتِي قَبْلَهَا، أَوْ أَنَّ الْمُرَادَ: وَلا تُبْطِلُوهَا بِالرِّيَاءِ، نَقَلَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ أَهْلِ السُّنَّةِ.
وَنُقِلَ عَنْ الْمُعْتَزِلَةِ تَفْسِيرُهَا بِمَعْنَى لاَ تُبْطِلُوهَا بِالْكَبَائِرِ، لَكِنَّ الظَّاهِرَ تَفْسِيرُهَا بِمَا تَقَدَّمَ.
إذًا: هذا القول هو المرجّح، وهو أنه لا يلزمه إتمام المندوب إذا شرع فيه.
{وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ: يَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ} يعني: يلزمه الإتمام.
وَاحْتَجَّا بِحَدِيثِ الأَعْرَابِيِّ: أَيْ فَيَلْزَمُك التَّطَوُّعُ إِنْ تَطَوَّعْت، وَإِنْ كَانَ تَطَوُّعًا فِي أَصْلِهِ.
وَعِنْدَنَا أَنَّ الاِسْتِثْنَاءَ مُنْقَطِعٌ يعني: الاستدلال في غير محله، فالصواب: هل عليّ غيرها؟ يعني: غير ما ذُكر من الصلوات الخمس المكتوبات؟ قال: لا ليس عليك غيرها، إلا أن تطوّع يعني: لكن إن تطوعت فلك أن تصلي ما شئت، هذا الصحيح.
{بِدَلِيلِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أَبْطَلَ تَطَوُّعَهُ بِفِطْرِهِ بَعْدَ نِيَّةِ الصَّوْمِ} .
قال: {وَمَحَلُّ الْخِلافِ} (غَيْرَ حَجٍّ وَعُمْرَةٍ) .
وزاد بعضهم الأضحية على القول بالسنية.